التربية والتعلم

Download PDF version of article



المفردات الأساسية


القرآن، العربية، مكتب أو كتّاب، مسجد، مجلس، جامع، بيت الحكمة، رسائل إخوان الصفا، الديوان، المعرفة، الحكمة، الأزهر، ناصر خسرو، الفاطميون، النظامية، نظام الملك، السلاجقة، التطريز، النسج، صناعة السجاد، التخطيط، إبن سينا، أرسطو، إقليدس، بطليموس، الصفويين، الرباط، الخنقة، الزاوية، جماعة خانه، البوندوك، ابن خلدون، أليغار.


المحتويات




التربية في المرحلة المبكرة


إن الحافز على قراءة القرآن وتعلمه قدمت للوسط الإسلامي الأول بمنظوماته التربوية الأساسية، حيث بدأت بالظهور البنى والأشكال في تدريس القرآن، وحياة الرسول، والمعرفة باللغة العربية وقواعدها. كان الجامع ومدارس تعليم القرآن المبكرة هي المثال الأول على المعاهد التربوية الإسلامية. إضافة لذلك، وقد شعر أولئك الذين حملوا مسؤولية تأسيس مثل هذه المعاهد وإدخال الأنظمة المذكورة في القرآن ومن قبل النبي، بالحاجة إلى إيجاد أماكن حيث يمكن مناقشة مثل تلك القضايا. أما المدارس غير الرسمية التي تدرس القضايا القانونية والعقائدية فقد تطورت داخل المساجد وغيرها من الأماكن العامة، كما في المنازل الخاصة. عدا عن ذلك، خلال هذه الفترة أصبح المسلمون على احتكاك متزايد مع المناطق التي وصل إليها الإسلام. ومثل هذا الاحتكاك مع الثقافات الأخرى وتقاليدها الأكثر تطورا في التعليم شكل حافزا إضافيا للمسلمين لتأسيس نظام تعليمي يلبي حاجاتهم ويعزز فهمهم لعقيدتهم وطقوسها.


تطورت منظومات الكثير من المعاهد خلال الفترة المبكرة من التاريخ الإسلامي، مدخلة الكثير من الموضوعات المتنوعة والآليات. وأكثر تلك المعاهد أهمية كان المكتب أو الكتاب، و المسجد و المجلس، والجامع، والمكتبات. كان المكتب أو الكتاب المكان الذي يتلقى فيه الأولاد تعاليم القرآن وغيره من الموضوعات الدينية، بينما كان المسجد والمجلس أماكن للقاءات المرتبطة بالجامع حيث ينظم الراشدون أنفسهم في مجموعات دراسية. وتنوعت المجموعات حسب الموضوعات التي تجري مناقشتها وتتراوح بين دراسة حياة الرسول وأقواله، والقضايا المرتبطة بالمسائل القانونية، والطقوس والأشعار التعبدية. وقد أصبح الكثير من الجوامع، أو مساجد الجمعة، لاحقا مكانا لتحصيل التعليم العالي، ويتجلى ذلك في ظهور المراكز داخل المساجد الرئيسية كجامع القيروان في المغرب. إلا أن النموذج الأكثر شمولية قد تطور لاحقا، والذي يتمثل في جامع الأزهر في القاهرة.


وعندما بدأ المسلمون بالتعلم والكتابة، بدأت مجموعة من المكتبات بالتطور، متصلة في الغالب بالمجلس الملكي، حيث تجري تنسيق مختارات من الكتب. وهذه المعاهد غير الرسمية في الغالب احتضنت كذلك كتبا من تقاليد ثقافية أخرى. كان أهم هذه المعاهد بيت الحكمة في بغداد الذي أسسه الخليفة العباسي المأمون (حكم 813 – 833 ميلادي). وأصبح بيت الحكمة معهدا ترجمت فيه الأعمال الفلسفية والعلمية الإغريقية إلى العربية. كذلك جرى تطوير مراصد فلكية فيه. وقد مثلت أعمال المركز وآثاره أحد أهم الجهود التربوية لإدخال العلوم الجديدة إلى العربية خلال القرون الوسطى.


ظهور نماذج التعلم


بينما كان شعر المسلمون خلال الفترة الأولى أنه من الضروري التركيز بشكل أساسي على الموضوعات القرآنية وتوابعها، اتجه آخرون إلى إدخال مثل هذا الأسلوب في التعليم دخل سياق أوسع. ويمكن رؤية الكيفية التي استقبل بها التعليم كطريقة لزيادة المعرفة الفردية، وكطريقة لتحصيل تربية مثالية، في القصص الرمزية المحفوظة في سلسلة من الأعمال الهامة المعروفة باسم رسائل إخوان الصفاء، التي كان أصحابها مجموعة من المفكرين المسلمين الذين عاشوا خلال القرن العاشر الميلادي. ويمكن استخلاص الأمثولة في تلك القصص كما يلي:


روي أنه كان هناك حاكم كريم وله أولاد أعزاء عليه جدا ويحترمهم جدا. وقد رغب الملك بتعليمهم، وترقيتهم، وتدريبهم، لجعلهم مؤهلين لحضور مجلسه؛ لأنه لا يمكن لأحد سوى أولئك المتحدرون من سلالة رفيعة، ومطلعون على العلوم، ويتحلون بأخلاق جيدة ومترفعون عن العيب، يليق بمجالس الملوك.


وقد رأى من الحكمة أن يبني لهم قصرا، من أكبر القصور التي بنيت على الإطلاق، ثم خصص لكل منهم مجلسا وكتب على جدرانه كل العلوم التي رغب بتعليمهم إياها. وصور في المجلس كل شيء رغب لهم أن يتعلموه. ثم قام بإسكانهم في القصر، محددا لكل منهم معقدا حسب المكانة المخصصة لهم، ووضع لهم خدما مخلصين وعبيدا من كلا الجنسين. وعندها قال لأولاده: "انظروا ما قد وضعت أمامكم، واقرؤا ما كتبته لكم، وتأملوا فيه، فقد تحصلون على المعنى الموجود فيه وتصبحون رجالا متعلمين وذوي شأن. عندها، سأسمح لكم بحضور مجلسي، وستكونون من بين المقربين السعداء والشرفاء، إلى الأبد، طالما أنا حي وأنتم معي".


وبين العلوم التي دونها لهم في ذلك المجلس كان تمثيل للكواكب السماوية على السقف يشرح الكيفية التي تدور فيها، والأبراج السماوية ومواقعها، وكذلك النجوم وحركاتها، موضحا رموزها وقواعدها.


وفي ساحة المجلس وضح لهم أبعاد الأرض، وتقسيمات الأقاليم وخريطة للجبال، والمحيطات، والصحارى، والأنهار. وشرح حدود البلدان، والمدن، والطرق التجارية، وأبعاد المملكة.


وفي الجزء الأمامي من المجلس، دون علوم الطب والعلوم الطبيعية، مظهرا النباتات، والحيوانات، والموارد الطبيعية بأنواعها، والنماذج، وتمايزاتها، وشرح خصائصها، واستخداماتها ومخاطرها.


وعلى الجانب الآخر، دون علوم الحرف والمهن وشرح أساليب الحراثة والإنتاج. ثم صور المدن والأسواق، شارحا الأنظمة التي تحكم البيع والشراء، وجني الأرباح والتجارة. وعلى الجانب الآخر، دون علوم الدين والمعتقدات، والقوانين والأعراف، موضحا ما هو قانوني وما هو غير قانوني، والعقوبات والأحكام الشرعية.


بعدها، في الجانب الآخر أيضا، دون ما يتعلق بالإدارة السياسية ومؤسسات الدولة الأخرى، شارحا كيفية تحصيل الضرائب، وكذلك ما يتعلق بالمساعدين و منظمي الديوان، موضحا المبالغ التي تدفع للجنود وحماية الحدود من قبل الجيش والاحتياط.


هناك ستة أنواع من العلوم اطلع عليها أبناء الملك. وهذه أمثولة قدمها رجل حكيم؛ أي أن الملك الحكيم هو الله العلي، والأبناء الشباب هم الإنسانية. أما القلعة المرتفعة فهي السماء والمجلس المنظوم بشكل مثالي هو الشكل الإنساني. أما القواعد الموضحة فهي التركيبة المدهشة لجسد الإنسان، والعلوم المدونة فيه هي أقسام النفس ومعارفها.


تحليل النموذج


تلخص الحكاية السابقة نموذج التعليم المتوفر في ذلك الوقت، والذي يعمل كاستعارة مجازية عن المعنى الكامل والهدف من الحياة، ويوضح الطريقة الشمولية في تناول التربية. وهذا القسم في الواقع جزء من مقطع يتعامل مع البشر كعالم مصغر. وقد ذكر بوضوح أن الحياة قصيرة، وأن المعرفة عن العالم ضخمة، وعلى الأفراد تعلم تحصيل الإدراك عن كامل الخليقة من خلال دراسة أنفسهم، حيث الأشخاص هم ملخص عن الكون. وهكذا، من خلال ربط العالم المصغر بالعالم الكبير بالطرق العقلانية، يمكن للشخص الانتقال من فهم النموذج الأصغر إلى فهم النموذج الأكبر.


ومكان التعلم هو أرضية إعدادية لتمكين الشخص من الحصول على الأدوات الضرورية لمواجهة الحياة. وبالطريقة ذاتها، ينظر للجسد كمكان تحضيري للنفس، والتي من خلالها يتم تحصيل كل احتياجات النفس لإكمال ذاتها. وفي القصة، ترمز المدرسة إلى الجسد، والموضوعات المتنوعة المرتبطة بالمعرفة هي ما يجب على النفس معرفته قبل أن تصل إلى "قاعة الملك".


وبينما تقوم الفلسفة التربوية على معرفة الذات، كما يظهر في هذا النموذج، تجري موازنتها بإدراك أن الفرد يحتاج إلى طلب المهارات للعيش داخل العالم. وإلى جانب هذه الشمولية، هناك وجه عملي وهام لهذا النموذج وهو مفهومه عن البيئة المناسبة التي يتم فيها تحصيل العلم. إن البنية الجيدة وجميع ميزات العيش الجيد تبدو وكأنها تؤكد على الحاجة للبيئة المساعدة على التعلم.


تقسم المعرفة إلى مجالات متنوعة: الأول يهتم بمعرفة الطبقات والأجسام السماوية؛ والثاني يتعلق بالأرض وجغرافيتها، والأخير يتألف من كل ما يتعلق بالأوجه المادية والثقافية والدينية للحياة البشرية. كذلك تتعلق التربية بهذه الحياة واحتياجاتها. ويتوضح البعد العملي والواقعي للنظرية الإسلامية في التعليم من خلال تضمين العلوم ما يتعلق بالزراعة، والمنظمات الاقتصادية السياسية. وبالتالي، فإن للمهارات والعلوم أهدف عملية آنية لتنظيم الحياة اليومية وحاجات الأفراد، وهدف نهائي حيث يتعلم الإنسان كيف يحصل على معرفة الذات والكمال لأجل اليوم الذي يترك فيه هذا العالم.


أما المغزى الآخر المتضمن في الحكاية فهو دور الدين في نظامهم التربوي. ففي القصة تدخل دراسة الدين،و القانون، والأعراف في المنهاج الدراسي. ولكن هذه الأمور تمثل الدين المنظم الذي، ضمن الإطار الفكري لإخوان الصفا، يأتي ضمن مفهوم أوسع للتعلم يسمى الحكمة.


أما نموذج التعليم الذي تعكسه القصة فهو من خصائص المفكرين الذين أقاموا دوائر مناقشة غير رسمية، أكثر مما يعكس نموذج المعاهد التربوية الناضجة. ومع الوقت، وبشكل خاص منذ القرن العاشر الميلادي وما تلاه، وجدت معاهد أكثر تطورا وتنظيما، تدعمها الدولة، في العالم الإسلامي.


الأزهر


أصبح الأزهر، الذي أسس واعتبر المسجد الرئيس في المدينة العاصمة القاهرة عام 970 ميلادي، جامعا وجامعة معا بشكل كامل خلال الفترة المبكرة من الحكم الفاطمي الشيعي الإسماعيلي. وقد تعززت مكانته من قبل العديد من الخلفاء الفاطميين الذين، من خلال الكثير من الهدايا والهبات، قاموا بتطويره ليصبح مركزا رئيسيا لتلقي العلم. وفي أوجه، تضمنت المناهج المدرسة في الأزهر والمعاهد المرتبطة به دراسة تفسير القرآن، والقانون، و علوم الغيب، والفلسفة، والعلوم الطبيعية، والشعر والأدب. عاش الكثير من الأساتذة والعلماء في الأزهر، من بينهم الفيزيائي المشهور ابن الهيثم. وقد ساعدت الهبات الطلاب والمدرسين على حد سواء.


كان الشاعر المعروف والفيلسوف والرحالة ناصر خسرو (توفي عام 1088 ميلادي) من الذين ألفوا الأزهر وبرامجه التربوية التي تطورت في ظل الفاطميين في مصر والمناطق الأخرى من أراضيهم. وبالاعتماد على التربية التي تلقاها بنفسه، يقدم قائمة بالمجالات الكثيرة التي تدرب عليها وتعلمها: اللغة واللسانيات؛ والشعر والأدب؛ والفلك؛ وعلوم الفلك الرياضيات؛ وعلوم القرآن؛ والقانون وسنة الرسول. ولأنه كان يقوم بدور ممثل ومدرس المجتمع الشيعي الإسماعيلي، كان تدريبه على الأغلب أكثر كثافة وشمولية، لكنها تقدم فكرة عن المجالات التي كانت متوفرة في القاهرة تلك الأيام.


وفي القرون اللاحقة، وبعد استبدال الحكم الفاطمي بالعديد من العائلات الأخرى التي كانت سنية في توجهها، تغيرت طبيعة عمل الأزهر وأصبحت مركزا رفيع المستوى لدراسة علوم الدين والشريعة. وأصبح مثل هكذا معهد يعرف باسم المدرسة.


المدرسة


مع تنظيم مدراس الشريعة الإسلامية، تحول التركيز على البحث والانتشار إلى معهد آخر تطور بشكل منظم بحلول القرن الحادي عشر الميلادي أطلق عليه اسم المدرسة. ولأنها كانت مخصصة بشكل رئيسي لدراسة الشريعة، لكنها تضمنت أيضا موضوعات أخرى تكميلية تطوير العلوم الدينية، أصبحت المدرسة، التي قامت بدور توجيهي للتربية غير الرسمية الأولية كالتي كانت في الجامع وحلقات الدراسة، باتت المعهد الرئيسي للتعليم في الإسلام السني. وقد تلقت المدرسة دعما من الدولة، وقدمت المنح التخصصية وأماكن إقامة للأساتذة والطلاب.


تقدم المدرسة النظامية نموذجا مثالا مبكرا عن مثل هذه المعاهد، والتي أسسها الوزير القوي للسلطان السلجوقي نظام الملك (توفي عام 1092 ميلادي) في بغداد عام 1067 ميلادي. وقد أسسها لإقامة معهد سني قوي يوازي نفوذ الأزهر في القاهرة. وعلى غرار الأزهر، تأسست أيضا من خلال الهبات. وكانت الهبات، التي عرفت في الإسلام باسم الوقف، تمثل الروحية الرؤوفة في التقاليد الإسلامية والتي يعبر عنها بالطرق المؤسساتية، والتي تقدم الحوافز لتشجيع وتطوير التربية من قبل الدولة والأفراد والعائلات. وقد استمر نظام الملك بتأسيس معاهد مشابهة في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي الذي كانت تحت الحكم السلجوقي في ذلك الوقت، مقيمين بذلك شبكة من مراكز التعليم التي تأتمر بأمر الحكام وتوفر الوسائل المالية للبحاثة لإنجاز الدراسات الشرعية والدينية. وفي كل المدن الرئيسية للعالم الإسلامي في القرون الوسطى، أصبحت المدرسة المركز الرئيسي للتربية الدينية والشرعية.


إن الأبحاث التي أنجزت في المدرسة كان لها أهمية كبيرة في تطوير الفكر بين المسلمين السنة. وأحد المفكرين الذين ارتبطوا بالمدرسة النظامية كان أبو حميد الغزالي (1058-1111). وقد أصبح أستاذا معروفا في الشريعة بأبحاثه وتدريسه. ولفترة من الزمن، وسع أعماله إلى مجالات أخرى، بشكل رئيسي بحثه الخاص في الحياة الباطنية والروحية. وعند عودته، بات دوره أكثر أهمية حيث كامل نتائج مسعاه الخاص ضمن منظور أوسع حول دور العقل والروحانية في ممارسة وفهم العقيدة بين المسلمين.


تعليم المرأة


كانت زوجة الرسول محمد الأولى، خديجة، سيدة أعمال ناجحة. أما زوجته اللاحقة، عائشة، فقد أصبحت معروفة لدورها في نشر السنة. أما ابنته، فاطمة، وعدة نساء أخريات من عائلة الرسول فقد عرفن بحبهن للتعلم. ولذلكن في الفترة التأسيسية، وجدت عدة إشارات لتشجيع مشاركة وتحصيل المرأة للعلم.


وقد كان لتعليم المرأة بشكل عام في فترة القرون الوسطى من التاريخ الإسلامي محددات تفرضها بعض العوامل الثقافية المحلية، والتي تفرض حدودا ومعوقات على تدريبهم ودورهم في المجتمع. ففي الفترة التي تسبق سن الزواج، تبقى النساء مع أسرهن أو أقربائهن حيث يتلقين المعرفة بالقرآن والطقوس الإسلامية في البيت أو في مدرسة غير رسمية لتعليم القرآن، وحيث يتم تعليمهن من قبل نساء متقدمات في العمر على الأغلب. وبعد الزواج، كان من النادر لأكثر النساء أن يحصلوا على العلم، حيث قيد دورهن كزوجات وأمهات والتزاماتهن العائلية من تحركاتهن ونشاطاتهن خارج البيت. لكن تأثيرهن في تربية أولادهن، وخاصة البنات، كان قويا. وقد طورت النساء مهارات مثل القبالة، والتطريز، والحياكة، وصناعة السجاد، والتخطيط والتصميم. وقد عرفت أخريات لمهاراتهن في كتابة الشعر ورواية القصص ولعبن دورا في نشر التقاليد الشفهية والفلكلور.


كما انضم بعض النساء إلى المجموعات الصوفية وشاركن في شبكات تعبدية واجتماعية تنوعت في نشاطاتها التنظيمية والتربوية بين المناطق المدنية أو الريفية. وكان هناك نساء في المحكمة أو أولئك اللواتي نشأن في عائلات لها تاريخ باع طويل في العلم واللواتي كن أوفر حظا وتلقين العلم رسميا. قد برعن في مجالات مثل جمع وتعليم سنة الرسول وشريعته، والشعر والأدب.


وبالمعنى التاريخي، كما كان الأمر في معظم الحضارات والأديان الرئيسية في الصين والهند وأوروبا التي ازدهرت في الفترة ذاتها، كان الدور العام للمرأة في التربية والتعليم في العالم الإسلامي خلال القرون الوسطى هامشيا. ومع ذلك كانت هناك حالات متميزة للنساء اللواتي اكتسبن الشهرة لعلمهن وأشعارهن ورعاتهن للعلم.



وفرت حركات الترجمة في مراكز مثل بيت الحكمة في بغداد ووجود مراكز أكاديمية تقليدية للتعليم في أماكن مثل الإسكندرية وجنديشابور للمسلمين إمكانية الوصول إلى علوم الإغريق والشرق الأدنى. وإضافة إلى العديد من المراكز المختصة بتعليم الموضوعات الدينية والشرعية، انجذب العديد من المفكرين المسلمين إلى البحث العلمي وتقنيات البحث الاستقصائي والجدل. ومن الأمثلة على مثل هذه المجموعات جماعة إخوان الصفا المذكورة سابقا، والفلاسفة والعلماء المسلمون. ويقدم بحاثة القرن الحادي عشر الميلادي،و الفيلسوف والفيزيائي ابن سينا مثالا رائعا عن الكيفية التي كان تتم فيها ملائمة العلم، وتطويره، وإعادة إنتاجه في سياق الفكر الإسلامي.


تلقى ابن سينا العلوم الدينية في صغره واتجه إلى دراسة الفلسفة في سن المراهقة، ولاحقا أصبح متمكنا من أرسطو وإقليدس وبطليموس وغيرهم من علماء الإغريق القدماء، ما مكنه من اكتساب تعليم فلسفي وعلمي شامل على قدر ما توفر له. ويصف أبن سينا في سيرته الذاتية حماسه الشديد لدراسة الفلسفة وهوسه بتعلم كل الموضوعات المتوفرة له في هذا المجال. وقد تمكن أيضا من تطوير مهاراته كفيزيائي، وبسبب سيطه في شفاء ومعالجة الأمراض الجسدية والنفسية، وجد نفسه مدعوا لمجالس عديدة ليكون طبيب الملك. وتمكن من تجنب مأزق التواجد في مجالس عديدة في زمن الصراع بين حكام مختلفون، منتهزا الفرصة حيث توفرت له لتدوين وتنسيق أعماله. وتعكس أهم أعماله في الفلسفة والطب والغيبيات اتساع معارفه وروحية البحث العقلاني في التربية الإسلامية في ذلك الوقت.


مراكز التعلم الشيعية الاثنى عشرية


تأثر التشجيع على التربية والتعليم برعاية الحكام الشيعيون بسقوط الأسرة الفاطمية عام 1171 ميلادي. وقد شهدت القرون الثلاثة التالية نموا ثابتا وتعزيزا لتربية المدرسة السنية في المراكز الرئيسية للمجتمع الإسلامي في القرون الوسطى. وأصبح الأزهر، الذي أسس في الأصل من قبل الأسرة الفاطمية الشيعية الإسماعيلية، تحت الوصاية السنية، مركزا تعليميا وتدريبيا وجيها لعلماء السنة. لكن جرى حفظ وتطوير العلم الشيعي وتوجهاته، مع أنها باتت أقل تأثيرا، في عدة أماكن مختلفة: في اليمن، حيث استمرت المراكز الإسماعيلية المستعلية وحيث درست أيضا شريعة وعلوم الشيعية الزيدية؛ وفي أجزاء من إيران وسورية، حيث اتبع الإسماعيليون النزاريون التقاليد الفاطمية؛ وبين مراكز الإمامية الإثنى عشرية في مدن النجف وكربلاء في العراق.


ومع بدايات القرن السادس عشر الميلادي وصلت أسرة جديدة للسلطة في إيران. وفرض الصفويون، كما أطلق عليهم، الشيعية الإثنا عشرية على أنها دين المناطق التي حكموها وقدموا الدعم لتأسيس المدارس. وقد جذبت هذه الرعاية الملكية البحاثة الشيعة إلى إيران من أنحاء عديدة من العالم الإسلامي وأدت إلى ظهور التقاليد الشيعية الإثنا عشرية في العليم والبحث في إيران.


وبالإضافة إلى دراسة العلوم الدينية التقليدية، تعلم الطلاب القواعد، والخطابة والمنطق، والنظريات الفلسفية، وعلوم التشريع المتقدمة. وكانت المناهج موحدة في معظم المدارس وأصبح الطلاب والمدرسون المتقدمون جزءا من النظام المزدهر والمؤثر في التعليم، ممثلين بذلك نقابة منظمة من البحاثة والمدرسين الدينيين، يشار إليهم بلقب الملا أو المجتهدون.


مراكز التعلم الصوفية


أثرت التقاليد الإسلامية الباطنية والروحية جميع المجموعات والمعاهد الإسلامية بدرجات مختلفة. ولذلك ليس من الدقة اعتبار التربية والتعليم في سياقهما الصوفي على أنهما شيء منفصل عن الأشكال الأخرى للفعاليات التربوية في العالم الإسلامي.


كانت الخلوات الجمعية، حيث يجتمع الصوفيون لممارسة تعبداتهم وتقواهم وتأملهم، مراكز للتدريب والتعليم أيضا. وهناك تسميات عديدة لهذه الخلوات مثل الرباط، أو الخنقة، أو الزاوية، أو جماعات خانا. ويمثل تطور هذه المراكز الوجه المؤسساتي في الطرق الصوفية، وهي المؤسسة الجامعة التي تحدد شعور الشخص بالتبعية والانتماء لمجموعة معينة من الصوفيين. وفي هذه المراكز المتنوعة، ومن خلال التراتبية بين الأساتذة والتلامذة، كان يتم تربية الأفراد لتعلم القرآن ومعانية الروحية، ولتعميق فهمهم لدور الرسول كمنطلق لفهم الحياة الداخلية، ولقراءة مؤلفات العديد من الشعراء والكتاب الكبار في التقاليد الصوفية. وكانت هذه البيئات مراكز هامة للنشاطات التربوية، التي جمعت بين الطقوس التعبدية والتعليم. وشكلت أيضا نواقل هامة لنشر الإسلام من خلال التعليم و التربية الشفهية، وخلق التوازن مع التعليم التقليدية القائم على النصوص العربية أو الفارسية والتشجيع على استخدام نماذج عامية.


تعليم البوندوك في إندونيسيا


إن أحد الأمثلة على معاهد التعليم الإسلامي المحلي الأصلي هو البوندوك، وهو مدرسة داخلية تطورت في جنوب شرق آسيا كمكان للتعلم. واعتمدت مثل هذه المدارس، التي تقام في المناطق الريفية مدعومة من قبل الأهالي وأعضاء الوسط المحلي، على التزام ومكانة المدرسين المحليين المستعدون لتأسيس المدارس لطلاب المنطقة. واشتملت الموضوعات التي تدرسها البوندوك على الدراسات القرآنية، والشريعة، والأخلاق، والمنطق، والتاريخ، والصوفية. ويعود الطلاب الذين يشعرون بأنهم حصلوا على قدر كاف من العلم لمساعدة مجتمعاتهم الخاصة. ومع ازدياد التواصل بين مراكز جنوب شرق آسيا والمراكز الإسلامية الرئيسية الأخرى للتعليم، سافر العديد من الطلاب عبر البحار لتلقي مزيد من العلوم والتخصص. وغالبا ما قدمت مثل هذه المدارس تدريبا عمليا على الزراعة، والمهن، والتجارة.


التعلم والتقاليد الشفهية


إن الطرائق الشفهية في نشر الدعوة والتعليم وجدتا معا مع استخدام الكلمة المكتوبة منذ بداية الإسلام. وجرى تعليم القرآن ونشره شفهيا، وجرى تناقل سنة الرسول وأقواله عن طريق النشر الشفهي، وبقي التواصل الشفهي واحدا من أكثر الطرق تأثيرا في تناقل تاريخ وذاكرة الأفراد العائلات والأسر.


وفي العديد من الثقافات الإسلامية، استمرت التقاليد الشفهية في لعب دور هام في حفظ وتخزين المعرفة. ويمكن إيجاد أمثلة عن الكيفية التي تمت فيها هذه العملية بشكل مؤسساتي في غرب إفريقيا. فالمسؤولية في التواصل مع التاريخ والتقاليد الدينية بين المسلمين هناك غالبا ما تم من خلال أفراد لقبوا باسم غريوت. قاموا بحفظ التاريخ المحلي، والسلالات، والتاريخ الاجتماعي لمجموعاتهم وحكامهم. وكان هؤلاء الأفراد موسيقيين ومغنين محترفين أيضا، وقد أفاد استخدام الموسيقى والشعر كوسيلة هامة في نقل المعرفة من جيل إلى آخر. وقد وجدت أشكال مشابهة من التواصل على امتداد العالم الإسلامي.


انتشار المعاهد التربوية الإسلامية


يمثل تعدد المعاهد التربوية في القرون الوسطى وما قبل الحديثة في العالم الإسلامي شبكة واسعة. من بخارى إلى تيمبكتو، جعلت المعاهد التربوية الجيدة التمويل، والبحاثة المطلعون والآلاف من الطلاب المجتمعات الإسلامية من بين المجتمعات الأكثر علما في عصرها والأكثر امتلاكا لوسائل الاتصال والانتشار عبر الحدود الجغرافية والاختلافات الثقافية. وقد استفاد من هذه الشبكات شرائح واسعة من السكان في المراكز المدينية المختلفة، من بينهم، بشكل محدودة، النساء والأطفال. ووصلت تلك الشبكات إلى أكبر عدد خلال فترات الإمبراطوريات العثمانية، والمغولية، والصفوية في الشرق الأوسط، وتحت حكم العديد من الأسر في إفريقيا وجنوب غرب آسيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين.


أثرت المعاهد التربوية الإسلامية بشكل عميق على تطور التعليم والتربية في جميع المناطق التي انتشر فيها الإسلام. عدا عن ذلك، فقد أثر تطور الأبحاث والمعاهد الإسلامية بطرق عديدة على تطور التربية في أوروبا عبر انتقال الفلسفة ومختلف العلوم إليها. كذلك سهل التبادل الثقافي والاقتصادي بين أوروبا والعالم الإسلامي تطورات موازية للمعاهد والأساليب في حقل التربية.


أحد الأمثلة عن مستوى التعليم في القرون الوسطى يظهر في أعمال ابن خلدون (توفي عام 1406 ميلادي)، وهو في الغالب أحد أهم الأسماء في الحياة الفكرية الإسلامية في القرن الرابع عشر الميلادي. عاش، ودرس، وعلم في المغرب، وإسبانيا والقاهرة، وكان له خلفية ومظهر عالميين بالفعل. ألف أعمالا موسوعية في التاريخ الذي اكتمل في المقدمة، وهي مدخل تأملي حول أهمية الطبيعة في التاريخ. وفي هذه المقدمة، قام باستطلاع حول جميع مجالات التعليم. إضافة إلى ذلك، حاول القيام بتحليل شامل لأهمية التداخل بين مختلف العلوم. والأكثر من ذلك، قام بتحليل نقدي للأحداث التطورات التاريخية لتحديد العوامل الخفية للتغير الاجتماعي وآثاره. وقد ساعدت الملكة الموسوعية المعرفية لديه في تطوير تقييم لقيمة التعليم في وقته وتطبيقاته بالنسبة للمشكلات التي كانت تواجه مجتمعه، ما يشكل نموذجا قابلا للتطبيق لدى المسلمين اليوم.


أثر تطور التربية على العالم الإسلامي


إن التغير الأكثر أهمية الذي أثر على التربية الإسلامية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين الميلاديين نتج على الأرجح من الاتصال، والصراع، والتواصل مع المؤثرات الخارجية، وبشكل رئيسي من أوروبا. فقد أدى التوسع والسيطرة الاقتصادية والتفوق العسكري لأوروبا إلى توقف زمن التطورات الداخلية الذاتية التي استمرت لقرون عديدة. وغير استعمار الأقاليم الرئيسية من العالم الإسلامي في آسيا وإفريقيا بشكل حاد بنية المعاهد التربوية في تلك المناطق وأدخلهم في اتصال مع المنظومات المزدوجة للتربية الأوروبية، التي تربط بين العلمنة والكنيسة. وقد ولد الاحتكاك غموضا كما خلق فرصا جديدة. وقدمت الآفاق الجديدة في التعليم نفسها بأشكال تغريبية، عن طريق البعثات التبشيرية التي ترغب في تحويل الناس إلى المسيحية أو من خلال سياسيات رسمية للحكومة عبر القوى الاستعمارية التي اتبعت أسلوبا فوقيا في التعامل مع المعاهد والأساليب التربوية المحلية.


ويمكن تلمس مثل هذا الغموض والتغريب بأفضل ما يمكن ربما في التمثيل الخيالي للوضع في رواية للمفكر الكبير القدر من غرب إفريقيا حميدو كاين (توفي عام 1962 ميلادي)، وعنوان الرواية، المكتوبة بالفرنسية، مغامرة غامضة. في قلب الرواية هناك سامبا ديالوب، القائد القادم لشعبه والذي وصل إلى سن الرشد في عالم إسلامي إفريقي تقليدي، آخذ بالتغير باطراد بتأثير الوجود الفرنسي الاستعماري. يتنازع سامبا اتجاهين، أحدهما نحو فرنسا لتلقي العلم، ما يضمن بشكل أفضل مستقبل شعبه، أو البقاء في البلاد ومحاولة الحفاظ على التقاليد التي يشعر شعبه بأنها مهددة بالزوال بشكل مطرد. خشي مرشد سامبا والذي يدرسه القرآن أيضا من عواقب التربية الغربية. فهو يراها تفتقد للقيم الروحية والأخلاقية ويشعر بأن فلسفتها الأساسية تقنية وعلمانية. وفي نظره، تحتوي التربية الإسلامية التقليدية على كل ما يطلبه الفرد، وتمكنه من امتلاك كل أوجه التطور. فهو يخشى أن التربية الغربية تستقيم بشكل تجمع فيه المعرفة بطريقة مبعثرة، لكنها لا تربط بين الإنسان والكون والله معا. لكن هناك آخرون يختلفون مع هذا الرأي ويرون أن التأكيد على العقلانية في تناول التربية سيمكن الشعب ليس من التعرف على شرطهم التاريخي فقط بل يمكنهم من تجاوزها وتحرير أنفسهم من الحكم الاستعماري. وهذا بطريقة ما تشعب مبسط يلخص مدى الاستجابات التي ظهرت بين المسلمين الذين يواجهون أثر معاهد التربية والمفاهيم المعرفية الجديدة.


وحيث جرى تطويع أو اعتماد الأشكال الغربية في التربية، تشعبت المنظومات القائمة، وأصبحت المعاهد التي كان دورها الرئيسي نشر المعرفة والتعليم الديني معزولة عن المعاهد الحديثة العهد، التي اعتمدت دور الوصاية كحافظة لتقاليد التعليم والهوية الدينية.


وفي رواية المغامرة الغامضة، يختار البطل الذهاب إلى فرنسا، ويؤخذ بالعالم الجديد من التعليم والأفكار، لكنه في وقت ما يشعر بالاغتراب بسببها ويعود إلى جذوره التقليدية والروحية، مع الأمل بأن بعض التوافق ربما يمكن تحقيقه بين المنظومات المختلفة. وما يتم التعرف عليه في الرواية هو أن العالم التقليدي لا يمكنه البقاء مغلقا على نفسه لوقت أطول. حتى في أكثر الحالات نموذجية، كانت التربية في العالم الإسلامي دائمة التنوع ومتعددة. ومن هنا يمكنها الاستمرار على هذا النحو، مع أن خطوط الفصل والأهداف المختلفة للمعاهد لن تعود مشتركة كما كانت في السابق. وهكذا، في العالم الإسلامي المعاصر، يمكن للفرد أن يجد مدى من المعاهد والأنماط التعليمية التي تخدم العديد من الأوساط المختلفة.


التربية في القرن التاسع عشر


كان أحد أشكال الاستجابة للحكم الاستعماري والتأثير الأوروبي تأسيس المدارس الابتدائية والثانوية، والكليات والجامعات على الطراز الأوروبي. وبينما وضعت الحكومات الاستعمارية منظومات مدرسية خاصة بهم لتدريب الناس، رد العديد من المسلمين بالعودة، أو تطوير معاهدهم التقليدية بدعم من المجتمع. وفي بلدان مثل تركيا، أنشأ الحكام أكاديميات للجيش والإدارة تقدم التدريب بشكل يشبه الأكاديميات الموجودة في الأمم الأوروبية. وبعضهم أسس معاهد مثل الأزهر في القاهرة، والقيروان في المغرب، والمستنصرية في بغداد، والسليمانية في اسطنبول، والفائزية في إيران، التي تعزز مناهجهم التقليدية. وأقيمت بعض المعاهد الجديدة مثل ديوباند في الهند لتوحيد التربية الدينية. لكن أحد النتائج السلبية لهذه التطورات كان ظهور النموذج المزدوج، الذي أصبح فيه النموذج الأوروبي العلماني معزولا عن التطورات في المعاهد الأخرى. فقد التف الحكام والحكومات التي مولت مثل هذه المعاهد على المعاهد التقليدية وأساتذتها، وبالتالي أوقفوا دورها وتأثيرها على المجتمع. وحيث تأسست المعاهد الحديثة للتعليم العالي، مثل معهد أليغار في الهند، أصبح لهذه المعاهد تأثيرا لكنه غير عالمي. وكانت هناك محاولات من قبل البحاثة المتنورين مثل الشيخ محمد شلتوت (توفي عام 1963 ميلادي)، شيخ الأزهر، لإحداث إصلاحات على أساس الجهود المبكرة من قبل محمد عبده. لكن النموذج المتغير لسيطرة الدولة على مثل هذه المراكز جعلت من الصعب بالنسبة لهم لعب دور في مواجهة الانفصال الناتج عن الأنظمة المزدوجة التي كانت معتمدة من قبل العديد من البلدان الإسلامية.


التربية في العالم الإسلامي المعاصر


هناك مجموعتين من المعلومات الإحصائية ضرورية لفهم حالة التربية في العالم الإسلامي اليوم. الأولى هي ديمغرافية والثانية مؤسساتية. إن الشريحة الأكثر تزايدا بين المسلمين في العالم اليوم هي من العمر الذي يرتاد المدرسة. ولأجل استيعاب هذا النمو، تزايد عدد معاهد التعليم الابتدائية والثانوية بسرعة. من أوزباكستان في أسيا الوسطى إلى بنغلادش، بنيت آلاف المدارس من قبل الدول المعنية في السنوات الخمس وعشرين الأخيرة لاستيعاب هذا النمو. ويتراوح عدد الجامعات الحكومية والخاصة من سبعين في إندونيسيا إلى أكثر من ثلاثين في إيران. وفي كل بلد ذو أغلبية إسلامية هناك على الأقل جامعة واحدة. وقد توازى هذا النمو الهائل في عدد السكان مع تزايد المركزية في التحكم بالمدارس على جميع المستويات.


وفي السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، قام عدد من البلدان النامية، التي اغتنت من خلال اقتصاديات النفط أو الثروات الباطنية، ببناء المدارس والجامعات. وقامت دول مثل السعودية، وعمان، وبروني بإنشاء عدد من الجامعات المتمتعة بجميع خدمات تكنولوجيا المعلومات وأحدث التجهيزات. من ناحية أخرى، وجدت البلدان الفقيرة نفسها تصارع للإبقاء على معاهدها القائمة تتنازعها قلة المصادر زيادة الطلب.


وقد أقيمت بعض المعاهد الأكاديمية الجديدة التي اعتمدت عن وعي ذاتي المقرارات "الإسلامية". كان هدفها خلق معاهد ستعكس الجانب الفكري الذي يؤكد على مركزية الموضوعات الإسلامية. وبعض هذه المعاهد قد تم تشكيله كنتيجة لجهود منظمة المؤتمر الإسلامي، التي تأسست عام 1973 عن طريق المصادر المشتركة للأمم الإسلامية. وفيما إذا كانت هذه النماذج ستؤدي إلى انفصال أكبر في الأنماط والمعاهد التربوية فهو أمر سيظهر لاحقا.


حديثا، أدى عدد المبادرات الخاصة إلى تأسيس مدارس، وجامعات وأكاديميات خاصة. وبعضها يمتلك تخصصات عالية، تسعى لخلق معاهد تلبي حاجات أكبر عدد من خلال التدريب المهني الذي تحتاجه البلدان النامية. ومثال على ذلك هو تأسيس جامعة الآغا خان في الباكستان، التي كان مبادرتها الأولى تتضمن مدرسة للتمريض والطب بمستويات عالمية لتدريب المعالجين، والممرضين، واختصاصيي العناية الصحية لتلبية الحاجات الطبية للمناطق الريفية والمدنية من خلال برامج مبتكرة للتدريب وأنظمة العناية الصحية. وهناك معاهد مشابهة قيد الإنشاء من خلال مبادرات خاصة أخرى لتلبية الحاجات المحلية من إقامة شبكات عمل مع الهيئات الدولية ولكن لتدريب الإدارات المحلية والمستقلة.


إن مبادرة مصرف غرامين في بنغلادش، مع أنها هدفت إلى تحسين شروط السكن وفرص العمل للنساء، قد أدت إلى تطوير معاهد مساعدة مثل مدارس تحقيق التنمية في الأوساط الريفية. ويمكن العثور على برامج مشابهة في العديد من البلدان الإسلامية في إفريقيا وآسيا، وبشكل متزايد في أوروبا وشمال أمريكا.


لكن تبقى المشاكل الأكبر، خاصة في مجال تعليم المرأة والأطفال الصغار، الذي غالبا ما يمنع عنهم المتطلبات الأساسية من التعليم. وبينما تعتبر هذه المشاكل جزء من الموروث التاريخي للمنظومات التقليدية القديمة للبلدان وتراث بعض الممارسات الاستعمارية، هناك تحول كبير ظاهر على امتداد العالم الإسلامي. إن التواصل عبر المجتمعات، والثقافات، والناس، وتزايد الوصول إلى الإعلام العالمي والاعتراف بأن التعليم هو بالفعل مفتاح تحسين مستوى حياة المجتمع والأجيال القادمة، قد أدى شجع على الالتزام بالتعلم مدى الحياة وتقبل فكرة أن التعليم له علاقة بالفهم أكثر مما له علاقة بتقاليد أحد ما وتاريخه. وربما، على طريقة فيلسوف القرن التاسع عشر المسلم، الكندي، هذا المسعى المستقبلي سيتأثر بطريقته المتنورة:


علينا أن لا نخجل من الاعتراف بالحقيقة والأخذ بها مهما يكن المصدر التي تأتي منه، حتى وإن قدمت لنا من قبل الأجيال السابقة والناس الغرباء. فبالنسب لهؤلاء الذين يسعون وراء الحقيقة، ليس هناك ما هو أثمن من الحقيقة ذاتها؛ إنها لا تزول ولا تترك الذين يصلون إليها، بل إنها تشرفهم وترفع من شأنهم. [مقتبسة في كتاب " ثلاثة حكماء مسلمين" لسيد حسين نصر، الصفحة 11].



Bibliography


Ahmad Anis. Muslim Women and Higher Education: A Case for Separate Institutions for Women. Kuwait: I.F.S.O, 1984.


Ahmed, Akbar S. Toward Islamic Anthropology: Definition, Dogma and Directions. Ann Arbor, New Era Publications, 1986.


Ahmat S. and Siddique, S. eds. Muslim Society: Higher Education and Development in Southeast Asia. Singapore: Institute of Southeast Asian Studies, 1987.


Antoun, R. Muslim Preacher in the Modern World. Princeton: Princeton University Press, 1989.


Ashraf S.A. New Horizons in Muslim Education. Cambridge and London, 1985.


Barazangi, N.H. “Education: Religious Education” in The Oxford Encyclopaedia of the Modern Muslim World, Vol. 1.


Berkey, J. The Transmission of Knowledge in Medieval Cairo. Princeton: Princeton University Press, 1992.


Callaway, B. Education and the Emancipation of Hausa Muslim Women in Nigeria. East Lansing: Michigan State University, 1982.


Dodge, B. Al Azhar: A Millennium of Learning. Washington, D.C.: The Middle East Institute, 1961.


Eickelman, D.F. Knowledge and Power in Morocco: The Education of a Twentieth-Century Notable. Princeton: Princeton University Press, 1985.


Faruqi, J.R. Islamization of Knowledge: General Principles and Work-plan. 2nd revised and expanded edition. Herndon, Va.: International Institute of Islamic Thought, 1989.


Geertz, C. The Religion of Java. Chicago: Chicago University Press, 1960.


Iqbal, M. The Reconstruction of Religious Thought in Islam. Lahore: M. Ashraf, 1934.


Kane, H. L’Aventure Ambigue. trans. by K. Woods, as Ambiguous Adventure. Portsmouth, N.H.: Heinemann, 1972.


Lacoste, Yves. Ibn Khaldun: The Birth of History and the Past of the Third World. London: Verso Traditions, 1984.


Lelyveld, D. Aligarh’s First Generation: Muslim Solidarity in British India. Princeton: Princeton University Press, 1978.


Makdisi, G. The Rise of Colleges: Institutions of Learning in Islam and the West. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1981.


Menashri, D. Education and the Making of Modern Iran. Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, 1992.


Metcalf, B. Islamic Revival in British India: Deoband, 1860-1900. Princeton: Princeton University Press, 1982.


Mottahedeh, R. The Mantle of the Prophet: Religion and Politics in Iran. New York: Simon and Schuster, 1985.


Nanji, Azim. “On the Acquisition of Knowledge: A Theory of Learning in the Rasail Ikhwan al-Safa.” The Muslim World, Vol. LXVI (4) 1976, 263-271.


Nasr S.H. Traditional Islam in the Modern World. London and New York: Kegan Paul International, 1987.


— — Three Muslim Sages, Cambridge: Harvard University Press, 1964.


Rahman, F. Islam and Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. Chicago and London: Chicago University Press, 1982.


Reid, D.M. Cairo University and the Making of Modern Egypt. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.


Rosenthal, F. Knowledge Triumphant. Leiden: E. J. Brill, 1970.


Shalaby, A. History of Muslim Education. Karachi: The University Press, 1979.


Stanton, C.M. Higher Learning in Islam: The Classical Period. Savage, Maryland: Bowman and Littlefleld, 1990.


Szylowicz, J.S. Education and Modernisation in the Middle East. Ithaca: Cornell University Press, 1973.


Thomas, R.M. ed. Schooling in the Asean Region: Primary and Secondary Education in Indonesia, Malaysia, and the Philippines, Singapore and Thailand. New York: Pergamon Press, 1980.


Tibawi, A.L. Islamic Education: Its Tradition and Modernisation into the Arab National Systems. London: Luzac and Co., 1972.


Totah, K.A. The Contribution of the Arabs to Education. New York: Teacher’s College, Columbia University, 1926.


Unesco. Learning Strategies for Past-Literacy and Continuing Education in Mali, Niger, Senegal and Upper Volta. Hamburg: Unesco Institute of Education, 1984.


Zebiri, K. Mahmud Shaltut and Islamic Modernism. Oxford: Clarendon Press, 1993.


نسخة محررة من مقالة نشرت في الأصل في المفكرة الإسلامية، تحرير: عظيم نانجي (مؤسسة غايل للأبحاث، ديترويت، ميشيغان: 1996)، صفحة: 409-419.

إن الظهور المبكر للنبي محمد قدم رموزا قوية للتعلم والمعرفة: "اقرأ! باسم ربك الأكرم، الذي علم بالقلم، على الإنسان ما لم يعلم" (القرآن 96: 3-5). إضافة إلى ذلك، يميز القرآن بين آدم والمخلوقات الأخرى بميزة القدرة الموهوبة له "لتسمية كل شيء" (2: 31). والقيمة المعطاة للمعرفة في القرآن...