دراسات أكاديمية
جوانب من علم اللاهوت الإسماعيلي: السلسلة النبوية والله ما وراء الوجود
كلمات رئيسية الشريعة، الباطن، الفاطميين، ابن سينا، إخوان الصفاء، الإسماعيليون، المعتزلة، الأفلاطونية الجديدة، السجستاني، الظاهر.
ظهر الاسماعيليون للمرة الأولى في تاريخ الإسلام في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي وانتشروا بسرعة مذهلة. تمركزت الإسماعيلية في منطقة خوزستان في جنوب غرب إيران، وحمل دعاتها رسالتها في جميع أرجاء العالم الإسلامي من بلاد ماوراء النهر ووادي الأندلس إلى المغرب. تضاعف عدد معتنقي الإسماعيلية في شرق شبه الجزيرة العربية واليمن وشرق المغرب حتى أصبح كاف لإنشاء جماعات سياسية تحت سلطة الإمام المنتظر. دعي القرن الرابع الهجري من قبل لويس ماسنغنون "بالقرن الإسماعيلي في تاريخ الإسلام"1. فقد امتدت سلطة الخلفاء الفاطميين، أئمة الإسماعيلية، لتشمل النصف الغربي من العالم الإسلامي من المحيط الأطلسي إلى حدود العراق وأنشؤوا مدينة القاهرة كمركز إقامة لهم. سيطر القرامطة، المنشقين عن الإسماعيليين، في الشرق على معظم شبه الجزيرة العربية والخليج الفارسي وأدنى العراق، وهددوا لفترة بغداد ذاتها عاصمة العباسيين. شرح الدعاة الإسماعيليون مثل النسفي، وأبو حاتم الرازي، وأبو يعقوب السجستاني الأفكار الدينية الإسماعيلية في شكلها الكلاسيكي بينما قام إخوان الصفاء، وهم مجموعة مجهولي الهوية من المؤلفين الإسماعيليين [أو المتأثرين بالإسماعيليين] في البصرة، بنشر موسوعتهم المكونة من 51 رسالة فلسفية والتي بقيت منذ ذلك الحين جزءاً من الإرث الثقافي الإسلامي العام. كسب الإسماعيليون أتباعاً من كافة طبقات المجتمع: حكام ومسؤولين وعلماء وتجار وفلاحين وفقراء، من بين سكان المدن والقرى وكذلك القبائل في البادية. كانت الأسباب المؤدية إلى الظهور الواضح للإسماعيليين متعددة بما لاشك فيه. فالتمزق الداخلي للإمبراطورية العباسية والفوضى السياسية للخلافة العباسية ذاتها كانت تسير نحو ذروة السوء. إذ أدت الثورات السياسية، والحروب الداخلية، والدمار والتراجع الاقتصادي إلى انتشار السخط والإضطراب، وقد تم النظر إلى الإسماعيلين في بعض الأحيان على أنهم أساساً حركة اجتماعية ثورية توقظ المظلومين ليثوروا على السلطات والمؤسسات الموجودة. أعطت أوضاع محلية معينة في بعض الأحيان هذه النظرة بوضوح عن الإسماعيليين. ولكن يجب الأخذ بعين الإعتبار مدى قدرة رسالة الإسماعيليين على إقناع العديد من أولئك الذين لا ينتموا إلى الفئات المظلومة والذين لن يستفيدوا من الثورة، لدى إقرار أي تعميم لمثل هذا التفسير. إن تراجع الإحترام والسلطة التي يمكن للخلفاء العباسيين فرضها، وهم الممثلين الرئيسيين للإسلام السني، كان قد دعم بشكل طبيعي المعارضة التقليدية، وخصوصاً الشيعة. حيث أن الفروع الرئيسية للشيعة، الإمامية والزيدية، والتي كانت قد تأسست بقوة لما يزيد عن قرن قبل الإسماعيلية، كانوا قد استفادوا أيضا لحد ما من هذا الوضع لتعزيز مواقفهم. ومع ذلك فإن مكاسبهم كانت متواضعة بالمقارنة مع النهوض شبه النيزكي لحظ الإسماعيلية، والذين كانوا قريبين في بعض الأحيان من الإطاحة بالخلافة العباسية واستعادة الإمبراطورية العالمية الموحدة للإسلام. تابعت الدعوة الإسماعيلية السرية والمركزية التنظيم نشاطها وتفوقها وتوسعها عبر العالم الإسلامي بشكل واضح. وإنه لمن المؤكد أن ورع ونجاح الدعاة الإسماعيليين كان في غالبيته نتيجة للجاذبية الجوهرية للرسالة ذاتها. قدمت تعاليم الإسماعيليين منذ البداية نظرة شاملة ومترابطة عن الله والكون ومعنى التاريخ. وبينما جسدت في جوهرها المعتقدات والأفكار الإسلامية العامة والشيعية، فقد استوعبت أيضاً بعض التراث الإغريقي الروحاني والفكري، والذي على الرغم من كونه مرفوض ومنبوذ بشكل كبير بين العديد من علماء السنة المحافظين، فإنه أصبح بلاشك جزءاً من الحضارة الإسلامية. قد يتهم بعض المجادلين والمعارضين للإسماعيلية الدعاة الإسماعيليين بمحاولة التسلل بين أشخاص من خلفيات متنوعة بشكل كبير من خلال الرعاية المخادعة لمعتقداتهم ومشاعرهم. ولكن في الحقيقة، فإن المذهب الإسماعيلي لم يقتبس عشوائياً بل اختار ما وجده متجانساً مع القناعات الأساسية ودمجها بصياغة متماسكة معه. ترتكز نظرة الإسماعيلية عن النبوة والإمامة على الإعتقاد بالحاجة الدائمة للهداية الإلهية، ولموجه ومعلم معصوم يحكمها بشكل عادل ويوجهها بشكل سليم في أمور الدين. فهذا هو دور الإمام في غياب النبي. وهكذا فإن الإمامة هي جزء من السلسلة النبوية التي تمتد على مدى تاريخ البشر من البداية إلى النهاية. تبنت الإسماعيلية الإعتقاد بأهمية الإمامة الذي هو جزء من التراث الشيعي الباكر، لكنها حولته إلى نظرتها الدورية واللاهوتية عن التاريخ. ينطوي التطور الديني للإنسان وفقاً لهذه النظرة على سبع حقب، كل واحدة ينشؤها نبي رسول أو ’ناطق‘. كان الأنبياء الرسل في الحقب الستة الأولى هم آدم، نوح، إبراهيم، موسى،عيسى ومحمد وكان كل منهم قد أتى برسالة، وهي نص مقدس يحتوي في ظاهره على قانون ديني. كل واحد خَلَفه ’وصيه‘، أو الإمام ’الصامت‘، الذي مهمته كشف الحقائق الباطنية المستورة في النص المقدس والقانون الديني لعدد قليل ممن لديهم القدرة والاستحقاق لتلقي هذه الحقائق. وبالمقارنة مع طبيعة القانون المتغيرة فإن هذه الحقائق الباطنية سرمدية لاتتغير خلال جميع الحقب. يخلف الوصي سبع أئمة يحافظون على المعنى الحقيقي للنص المقدس بجانبيه الباطني والظاهري. يرتقي بعد ذلك الإمام السابع في كل حقبة ليصبح النبي الرسول للحقبة التالية ويكشف نصاً مقدساً جديداً ينسخ النص السابق. يتغير هذا النموذج فقط في الحقبة السابعة والأخيرة. حيث يكون النبي الرسول لهذه الحقبة هو القائم المنتظر أو المهدي، والذي لايكشف شريعة دينية جديدة وإنما يعلن الحقائق الباطنية كاملة وبلا حدود لعامة الناس، الحقائق التي كانت معلنة بشكل جزئي وسري لعدد قليل من المؤمنين الحقيقيين من أتباع الإمام قبل الكشف. وبذلك وقبل نهاية العالم يفتتح المهدي حقبة من العلم الروحي الخالص لا يحدها قانون. كانت الحقائق الباطنية التي نشرها أفراد السلالة النبوية المؤيَّدين إلهياً معرفية بالأساس. مبنية على الوحي وتتجاوز العقل البشري، ومع ذلك قدموا الكمال للنفس الرشيدة وبذلك قادوا الإنسان ’لخلق ثاني‘. لم يقدر العقل البشري الوصول لهم فقط بقدراته المستقلة. لم يستطع الإنسان الإستفادة من ’التأييد‘ الإلهي إلا من خلال التوجه إلى هداية الأنبياء والأئمة، ومن خلال هذا التأييد تصبح تعاليم الأنبياء والأئمة وحياً مخلّصاً. كان علم اللاهوت الإسماعيلي يستند في جوهره إلى الوحي بدلاً من العقلانية، وذلك بالإتفاق مع الطبيعة النبوية لكل علوم الدين. استوعبت العقيدة الإسماعيلية التقليدية الله ومبادئ العالمين المادي والروحي بمصطلحات الأفلاطونية الجديدة. حيث كان الله هو المطلق الذي لا يمكن معرفته ولا إدراكه أو شرحه بالعقل. تسامى الله عن العقل الكلي، وهو أول مبادئ العالم الروحي والذي كان هو مصدره بدون أن يكون عقلاً بذاته كما اعتقد التقليد الأرسطي. بإتباع فلسفة نفي وصف الله، أزالت العقيدة الإسماعيلية كل الصفات والأسماء عن الله ووضحت بأنه يتسامى عن الكائنات والغير كائنات. وفي حين تبنى الإسماعيليون هذه المفاهيم من التقليد الأفلاطوني الجديد فقد طرحوا تغيير سمات معينة لعلم الكون في الأفلاطونية الجديدة مضفين السمة الإسلامية عليها. وهكذا شرحت الإسماعيلية العقل الكلي ليس بإعتبار أنه يرد من الواحد من خلال الإنبثاق ولكن بإعتباره ينشأ من خلال الأمر الإلهي أو ’الكلمة‘ في فعل التكوين الدنيوي الأزلي (’الإبداع‘). ومع ذلك فإن الأمر كان موجها للعالم بأسره، وحوى العقل صيغ كل الأشياء في العالمين المادي والروحي والتي تكونت هكذا ’دفعة واحدة‘ بفعل الإبداع. وكان الكل مرتبطاً بشكل مباشر بالله في تكوينهم، رغم أنهم ظهروا فقط بشكل تدريجي في عملية الإنبثاق والسببية واردين من العقل بالتوافق مع ’التقدير‘ الإلهي. أطلق اسم ’المبدع الأول‘ على العقل، منذ الأمر، ورغم أنه من حيث المنطق قد سبق ذلك، وقد اتحد به في الوجود. وبفعله الأزلي فإنه يمكن القول بأن الله هو ’المبدع‘. المصدر القرآني لمصطلح ’الإبداع‘ إن الله موصوف في القرآن الكريم (سورة 2 آية 117 و سورة 6 آية 101) بأنه ’بديع السموات والأرض‘، والذي هو ’بالأمر‘ الإلهي محدد بفعل الأمر ’كن‘. نفّذت هذه الأسلمة على مستوى المصطلحات بشكل أكثر من خلال معادلة العقل الكلي و’القلم‘ القرآني، ’العرش‘ و’القضاء‘ ومعادلات مشابهة فيما يتعلق بمبادئ أخرى لعالم الروح. وهكذا وبشكل أكثر أهمية فإن هذه التغييرات تعكس الطبيعة الإرادية، حرية فعل الخلق كما هو مفهوم في القرآن الكريم والتقليد الإسلامي بالمقارنة مع مذهب الإنبثاق للفلاسفة. وبنفس الدافع، فإن علم اللاهوت الإسماعيلي رفض بوضوح، مقابل التقليد الفلسفي، بأن الله هو ’العلة‘ الأولى. حيث أن أمره أو كلمته كانت العلة الأولى والتي اتحدت بالعقل الكلي. ويمكن القول بالله فقط بأنه ’مُعلّ عِلّة العِلل‘. إن جذب اللاهوت الأفلاطوني الجديد للفكر الإسماعيلي يعود في جزء منه إلى التأكيد الحازم على الوحدة وكمال وحدانية الله وسموه المطلق. في الحقيقة، إن تأكيد ’توحيد‘ الله وسموه واختلافه بالنسبة لكل المخلوقات (’التنزيه‘) هي مبادئ أساسية في الإسلام وحاضرة بطريقة أو أخرى في كل اللاهوت الإسلامي. حملت التعاليم الإسماعيلية والأفلاطونية الجديدة هذه المبادئ لأقصى حد. كان أبو يعقوب السجستاني، وهو أول الكتاب الإسماعيليين الأفلاطونيين الجدد والذي تم الحفاظ على الكثير من أعماله، قد ناقش آراء مدارس لاهوتيه مسلمة متنوعة عن سمو الله2. ورفض حتى أكثر المذاهب المعادية للتجسيم راديكالياً للمعتزلة للعقلانية والتي عادة ما تتهم بالإسهاب بنفيها وتفسيراتها المجازية لصفات الله وبذلك القيام ’بالتعتيل‘، والتعرية من الجوهر الإلهي. ومع ذلك رأى أبو يعقوب تعتيلهم بأنه ليس غير شكل مخفي من التشبيه، تنسيب الشبه في الخلق لله، حيث أن النكران المجرد لكل التشابهات مع الطبيعة المادية للإنسان جعلته متحداً بالكائنات الروحية. وهكذا يجب أن يكون النفي لأي شبه لله مع المخلوق مكتمل مع نفي لهذا النفي والذي بالفعل يزيل منه أي شبه مع الكائنات الواضحة للعالم الروحي. وأكد أبو يعقوب في هذا النفي الثنائي المتناقض الطبيعة فوق-العقلانية للاهوت الإسماعيلي. وكان في هذا السمو بالقياس إلى العقل نفسه، في موضوع قاعدة الوحي الضرورية للمفهوم الأفلاطوني الجديد عن الواحد، ما أدركه الكتّاب الإسماعيليون عن صلته الوثيقة مع وجهات نظرهم. ولم يحاول اللاهوت الإسماعيلي تقديم برهان عن الله بحيث يركز أولاً على عقلانية اللاهوت. فالبرهان العقلاني لما هو وراء العقل والكينونة عقيم بشكل واضح. ولم يكن هناك حاجة له، حيث أن الله كما يؤكد أبو يعقوب ’أثبت من كل ثابت‘. وهذه كانت ثابتة تتضح للعقل البشري فقط من خلال الوحي. مثلت مدرسة المعتزلة أفضل شكل متناسق وواضح لعلم اللاهوت العقلاني في القرون الأولى من الإسلام. أعيدت صياغة علم اللاهوت هذا بشكل منظم في العقود الأولى من القرن الخامس الهجري / الحادي عشر ميلادي بناء على تقليد مختلف من قبل ابن سينا (توفي 438 هجري / 1027 ميلادي)، الفيلسوف الذي أثر بالفكر الإسلامي الشرقي بما فيه علم اللاهوت الأكاديمي بشكل خاص، لقرون عديدة تالية. فقد روى ابن سينا نفسه كيف أن أباه كان قد تحوّل إلى التعاليم الإسماعيلية وكيف أنه اعتاد سماع والده وأخاه يناقشان أسئلة فلسفية وعلمية تبعاً لوجهات النظر الإسماعيلية. كانوا قد دعوه لمشاركة نقاشاتهم لكنه شعر بعدم القدرة على قبول آرائهم. يدل هذا على أنه كان متمعناً بالفكر الإسماعيلي بشكل وافي ولكنه عَدِل عنه نحو تقليد مشائي أكثر صفاء مُثّل في الإسلام قبله وخاصة من قبل الفارابي. كان أرسطو والفارابي نخبة معلميه حقاً. ورغم أنه اعتبر أن ’اللاهوت‘ المنسوب لأرسطو أكثر أصالة (والذي بالفعل كان يتألف من اقتباسات من ’تاسوعات أفلوطين‘)، إلا أنه لم يتبع هذا اللاهوت في تلك الجوانب والتي وجدها الإسماعيليون مناسبة جداً لفكرهم. إن الله في علم اللاهوت عند ابن سينا لا يتجاوز الوجود. فقد وصفه ابن سينا بأنه ’واجب الوجود‘. وبالفعل كان هذا المفهوم أساس برهانه على وجود الله حيث ناقش بأنه من حيث الطبيعة الإحتمالية الجوهرية للعالم هنالك حاجة لسبب واجب مطلق. فوفقاً لابن سينا لم يتجاوز الله العقل. فقد وصفه جوهريا بأنه ’العقل‘، ’عاقل ومعقول‘. وبهذا الخصوص فإن الله كان مشابهاً لمبادئ العالم الروحي، والذي عَرّفه أيضا ابن سينا بأنه العقول النقية. كما وصف الله بأنه السبب الأول، وهذا يتوافق مع التراث الفلسفي. وفي تأكيده لفرضية أن الإنسان يمكنه الورود فقط من الواحد، فإنه يشدد على أن الله ولّد العقل الأول من خلال الوجوب، وليس من خلال فعل الإرادة. وبالنظر إلى الله على أنه واضح من حيث المبدء، فإن ابن سينا كان قد تحدث بشكل حر عن طبيعة الله وصفاته وعن العالم الروحي بمصطلحات عقلانية محضة من دون الاستعانة بالمجادلات النصية المقدسة أو الرمزية الدينية. وبذلك فإن اللاهوت عنده شابه بهذا الخصوص ذلك الذي اعتمده المعتزلة، رغم العديد من نقاط الخلاف بينه وبينهم؛ وفي نقد الغزالي لفلسفة ابن سينا أكد التوافق المبدئي بين نظرة ابن سينا عن صفات الله وتعتيل المعتزلة. فمن وجهة نظره لا يحتاج العقل إلى هداية نبوية للوصول لمعرفة الله. وللتأكيد، كان هناك مكان للنبوة والروحانية في فلسفة ابن سينا واعتقاده بالإسلام كان صادقاً. لكن النبوة عنده منتمية لعالم العقل نفسه. فقد أتت معرفة الأنبياء لكل عقل بشري من نفس المصدر، العقل العاشر، أو العقل الفعال، والذي هو ’واهب الصور‘؛ رغم أن اتصالهم به كان أعمق ولذا فمعرفتهم كانت أكثر قرباً وشمولية. كان لديهم القدرة على ترجمة هذه المعرفة إلى صور ورموز اجتذبت قلوب غالبية الناس، بينما كان تفسير علم اللاهوت لنفس الحقائق ولكن بمصطلحات حقيقية وبدون استعارة لغوية أبعد من قدرة عقول معظمهم. واجهت الاستعارات اللغوية العقلانية لابن سينا، والتي نوقشت بقوة وتماسك في سياق نظامه الفلسفي، اللاهوت النبوي الإسماعيلي بتحديات قاتلة. وعلى أية حال، لا يوجد أي ذكر لأي جواب مباشر إسماعيلي أو مناقشة نقدية أو رفض لها لأكثر من قرن من الزمن. لم يعر ناصر خسرو في ’كتاب جامع الحكمتين‘(ألفه 463 هجري / 1070 ميلادي) والذي بيّن فيه التوافق بين الحكمتين التوأم، الفلسفة الإغريقية واللاهوت الإسماعيلي، انتباها إلى وجهات نظر ابن سينا وللفلاسفة المسلمين التجواليين بشكل عام، رغم أن تعاليمه الإسماعيلية المبكرة قد أكدت بشكل واضح على مصادرها النبوية والنصية المقدسة. وفي وقت لاحق، أعيدت صياغة السجال الذي ينص على حاجة العقل البشري ’لمعلم‘ مُؤيَّدٍ إلهياً بأسلوب حماسي، لكن مطول، في كتاب ’الفصول الأربعة‘ المنسوب للحسن بن الصباح، مؤسس الفرع النزاري من الإسماعيلية. أصبحت نظرية ’التعليم‘ المؤيد إلهياً، رغم تجذرها الواضح في الفكر الشيعي والإسماعيلي المبكر، مركزية في المذهب النزاري حيث أن أتباع ’الدعوة الجديدة‘ للحسن بن الصباح باتوا يعرفون ’بالتعليميّة‘. وللتأكيد على حاجة ’التعليم‘ لعلم اللاهوت وأهميتها الخاصة، تحدث الحسن بن الصباح عن فشل العقل فيما يتعلق بمعرفة الله وعن الحاجة للنبوة من أجل الاعتراف الحقيقي بالتوحيد. اقتبست مجادلات الحسن بن الصباح بشكل خاص جداً من قبل الشهرستاني (توفي 548 هجري / 1153 ميلادي) في ’كتاب الملل والنحل‘. كان الشهرستاني مهتماً بشدة وبشكل واضح بهم. ورغم شهرته الواسعة كعالم لاهوت أشعري متميز واهتمامه المتفتح بكل الأديان والفلسفات، فإنه كان معروفاً من قبل بعض معاصريه بميله السري للتعليمات الإسماعيلية النزارية وبنشر رسالتها3. وهو بنفسه ينوه في ’شرحه القرآني‘ الذي لم ينشر بعد4، والذي ضمنه مصطلحات إسماعيلية محددة وطرق تفسير، كيف أن معلمه في التفسير باح له "بكلمات نبيلة عن آل النبي وأتباعهم" والتي "أشارت إلى أسرار مخفية وأساس متين للعلوم القرآنية". وبحث بعد ذلك عن ’الصادقين‘ ووجد ’عبداً من عباد الله الصالحين‘ والذي علمه المبادئ الحقيقية للتفسير القرآني. ربما كان هذا المعلم الأخير، والذي لا يذكر الشهرستاني اسمه، إسماعيلياً. ورغم عدم معرفة شيء علاقاته المتينة بآلموت فإن العديد من أعماله الموجودة تشهد على أنه اعتنق وجهات نظر إسماعيلية خلال حياته الراشدة. وفي أحد أعماله التي مازالت غير منشورة وهي بعنوان ’المصارعة‘5 فإنه تولى دحض ميتافيزيقية ابن سينا على أساس ما سماه ’معيار النبوة‘. وبالخلاصة فإن موقفه توافق بشكل مطلق مع علم اللاهوت الإسماعيلي التقليدي. ينتقد الشهرستاني مفهوم ابن سينا الشمولي عن ’الوجود‘ والذي يتضمن كلاً من الله، واجب الوجود، والعالم الممكن الوجود. ويشير إلى أن هذا المفهوم يميل لإرجاع الوجود إلى نوع أو شبه نوع من المتلازمات والتي تتميز أجزاؤها بفوارق وهكذا تكون لازمة التشكل. ولتجنب هذه النتيجة، فإن ابن سينا تمسك بأن ’الوجود‘ طبِّق على الله والعالم الممكن الوجود ’بالتشكيك‘ بدلاً من ’التواطؤ‘ وبهذا لا يتم تشكيلهم بالتساوي. يجادل الشهرستاني بأنه رغم هذا المفهوم التشبيهي عن الوجود فإن مفهوم ابن سينا عن ’واجب الوجود‘ يمكن إظهار انطوائه على التعددية. ويؤكد بأن مصطلح ’وجود‘ لا يمكن تطبيقه على الله سواء بالتشكيك أو التواطؤ ولكن فقط ’بالاشتراك‘. فعندما تستخدم هذه الكلمة بالإشارة إلى الله فإن معناها عندئذ ليس له أي علاقة بمعناها عن الأشياء الممكنه الوجود. إن الله واجب الوجود فقط بمعنى أنه يعطي الوجود للآخرين ويأخذه منهم. وبشكل مشابه فإن كل الأسماء والصفات المستخدمة لله يجب فهمها على أنها متعددة الدلائل. الله هو ’الحق‘ بمعنى أنه يُحقّ الحق و يُبطل الباطل. هو حي بمعنى أنه يعطي الحياة والموت. إن المتناقضات مثل الوجود والعدم، الوحدة والتعددية، المعرفة والجهل، الحياة والموت، الخير والشر، القدرة والعجز هي ’كالمتحاكمات‘؛ فالله فوقهم فهو ’حاكمهم‘. وبالتالي فإن محاولة ابن سينا إثبات وجود الله بناءاً على مفهومه الشمولي عن الوجود هي محاولة عقيمة. في الواقع، لا حاجة لبرهان عن الله؛ لأن الله أكثر وضوحاً من الحاجة لأي إشارة عن حضوره. فمعرفة الله ترتكز على ’الفطرة‘. فمن ينكر الله ينكر نفسه. والذي ينكر الحاكم المطلق، يحكم على نفسه ويؤكد الله من خلال محاكمته. ولهذا السبب فإن الأنبياء اقتصروا على الدعوة لتوحيد الله ونكران أي شريك له أو خصم بنفس القدرة لأن البرهان على الله ليس بالضروري. يعترض الشهرستاني على فرضية ابن سينا بأنه "من الواحد يمكن أن ينبثق واحد وحيد فقط"، أي العقل الأول. بالأحرى الله هو الخالق لكل شيء وكل الأشياء يجب أن توضع بشكل مباشر وبالتساوي بالنسبة له بدون وساطة العقل أو الروح أو الطبيعة. وبالتأكيد فإن وحدة الله ليست هي وحدة الرقم واحد للكل أو المجموع، أو النوع، فالصنف أو الفرد، أو الوحدة، أو التعددية والأضداد تنبثق بالتساوي منه. وهذا مؤكد في القرآن الكريم الذي يضع المخلوقات بالعموم وكذلك المفرد في علاقة مباشرة مع الله. وهكذا في سورة النبأ آية 38 "يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [أمام الله]"، ’الروح‘ تعني العقل الفعال الأول والملائكة تعني ’المفارقات المدبرات أمراً‘. ولذلك فكل الأشياء يجب أن تربط بشكل مباشر وبالتساوي مع الله سواء انبثقت منه ’بالقصد الأول‘ أو لا. فمن حيث حالتهم فهم جميعاً بحاجة متساوية للخالق، ولكن درجاتهم يمكن أن تختلف في جوانب أخرى. إن مذهب ابن سينا القائل بأن لله بالأصل ثلاث جوانب، الإدراك، والعقل، والتعقل والوضوح، قد رفضه الشهرستاني بالتساوي حيث أنه يقتضي ثلاثية في الله مشابهة للثلاثية المعتمدة عند المسيحيين. وبمعرض انتقاد ورفض نظرية ابن سينا المعقدة عن معرفة الله بما في ذلك تمييزها بين أساليب إدراكه لذاته، وبين الخصوصيات والعموميات، يلح الشهرستاني على أن معرفة الله تنطوي بالتساوي على الخصوصيات والعموميات وتفترض سلماً هرمياً من المعرفة والتفكير. فقدرة الإنسان على التفكير تفوق قدرة الحيوانات، ومعرفة الملائكة أسمى من معرفة البشر. ينطبق كل من العقل والمعرفة على البشر والملائكة بشكل مبهم فقط. لا يعتمد إدراك الملائكة على التمثيل والتأكيد، التعريف والقياس المنطقي مثل الحال عند البشر. إن معرفة الله تتعدى كل طرائق الإدراك هذه. يرفض الشهرستاني فرضية ابن سينا عن سرمدية العالم. ورداً على مقولة ابن سينا "يوجد العالم بوجود الخالق ويستمر بالوجود ببقاءه"، يؤمن الشهرستاني بأن مفاهيم الوجود والبقاء هي مفاهيم متعددة التفاسير عندما تتعلق بالله والعالم. فالله هو خارج الزمن بالمطلق، كما أنه حارج الحيز المادي، بينما مدة العالم المادي هي محصورة بالزمن. يوجد الزمن، والذي هو مقيد بدورة المجسمات الكروية، فقط تحت العالم الروحي للموجودات الغير مادية. ويجادل الشهرستاني، مقابل المذهب الأرسطي، بأن التسلسل الغير محدود هو مستحيل في العالم المادي كاستحالة الفضاء الغير محدود. وهكذا فإن فرضية ابن سينا عن الدوران الغير محدود للمجسمات الكروية والتي يَفترض أنها السبب في سرمدية عوالم الطبيعة (’المواليد‘) هي فرضية لا يمكن تبنيها. إن الخطأ الأساسي عند ابن سينا وأتباعه بهذا السؤال هو أنهم ينظرون إلى العالم على أنه انبثاق من الله والذي وجب ’بذاته‘. وهكذا يصفون الله بشكل أساسي بـ ’موجب‘ العالم. بعد ذلك يظهر العالم بشكل عرضي، نتيجة غير مقصودة لجوهر الله. ومع ذلك فإن الله هو ’الموجد‘ فيما يتعلق بالعالم أولا، ليس للزوم، والنصوص المقدسة تشرح فعله تجاهها بمصطلحات مثل اختيار، إرادة، خلق، أمر، والملك. وأخيراً، يسأل الشهرستاني أتباع ابن سينا لماذا اعتبر هذا الأخير العقل الفعال، سيد كرة القمر، هو المعطي للأشكال والذي يتقدم من خلاله العقل البشري من الممكن للواقعية والكمال. لماذا لم يعتبر أي أحد من عقول المجسمات الكوكبية الأخرى أو العقل الأول أو حتى الله نفسه كمعطي للأشكال؟ فقرب العقل القمري للبشر في النهاية ليس إلا من ناحية المظهر. لكن إذا كان القرب من البشر هو المعتبر، أليس بالأحرى أن عقلاً بشرياً توصل إلى الواقعية ومدعوم بالقدرة الإلهية، وتجاوز كل العقول البشرية الأخرى هو المعطي للأشكال؟ ألا يمكن أن يكون هو عقل النبي؟ يبدو أن تعاليم الشهرستاني الإسماعيلية كانت عاملاً أساسياً في الاعتناق الوقتي للإسلام الإسماعيلي من قبل لفيلسوف والفلكي الشيعي العظيم، نصير الدين الطوسي (توفي 676 هجري / 1274 ميلادي). ينوّه الطوسي نفسه في سيرته الذاتية التي كتبها أثناء اعتناقه التعاليم الإسماعيلية، إلى أن الشهرستاني، والذي يشير له باللقب الإسماعيلي ’داعي الدعاة‘، كان المعلم لعم والده ومعلمه، وكان والده هو الذي أطلعه على المعتقدات الدينية وأيديولوجيات البشر. ويصف كيف أنه، بعد دراسة ’علم الكلام‘ والفلسفة، كان قد أدرك أن العقل البشري يمكن أن يتقدم من الممكن إلى الواقعية فقط تحت تأثير عقل آخر كامل و معلم ملهم إلهياً. وأمل أن يلقى هذا المعلم في انضمامه للإسماعيليين. وكما هو معروف، فإن الطوسي تخلى عن التعاليم الإسماعيلية، وأصبح فيما بعد أصبح أحد أكبر المؤيدين والمفسرين لفلسفة ابن سينا ضمن مجال واسع من الأنشطة الفكرية والعلمية. وكتب رداً على انتقاد الشهرستاني لميتافيزيقية ابن سينا أيّد ودافع فيه عن موقف هذا الأخير نقطة بنقطة. تعتمد سجالاته على العقل بشكل صرف، كما ورفض لجوء الشهرستاني للبرهان النصي ولـ "معيار الأنبياء" باعتبار أن ليس له علاقة بالمناظرة العقلانية. لقد حاز مفهوم نصير الدين الطوسي عن اللاهوت، والذي استعرضه في كتاب ’تجريد العقائد‘، الذي دمج فيه بين معتقدات العقيدة الإمامية وفلسفة ابن سينا، على تأثير عظيم وطويل في علم اللاهوت السني والشيعي في الإسلام الشرقي. إن تعريف الله بأنه موجود، واجب الوجود، والذي كان قد قدمه مسبقاً الغزالي وفخر الدين الرازي في العلوم اللاهوتية، قد طغى على تفكير علماء الدين والفلسفة على حد سواء، ولقد استعرض البرهان الكوني على الله بطرائق لا يمكن إحصاء تنوعها. انتشر مفهوم وجود الله والعالم التشبيهي أيضا في النهضة العظيمة للفلسفة في مدرسة أصفهان في العصر الصفوي والتي جمعت بين أطياف متنوعة من الفكر العقلاني والنصي والصوفي في تركيبة جديدة. ومع هذا فإن فكرة أن الله وراء العقل والوجود لم تختفي في الستر وهو الأمر الذي أدين به الإسماعيليين بشكل متزايد. وقد أشار هنري كوربن مؤخراً إلى الاتفاق العميق بين آراء الملا رجب علي التبريزي (توفي 1080 هجري / 1669-70 ميلادي) الدينية ومدرسته مع التعاليم الإسماعيلية التقليدية5. رفض علي، وهو تلميذ مير فنديريسكي، المذهب المنتشر والقائل بأن الوجود يُطبّق بشكل تشبيهي على الله والعالم الممكن، وأكد على أن الوجود يمكن أن ينسب إلى الله بشكل إحتمالي فقط. وتبعاً لهذه الفرضية، فقد تمسك بفلسفة نفي وصف الله فيما يتعلق بصفات الله. ورغم أنه لا يذكر الإسماعيلين من بين أولئك الذين تمسكوا بهذه الآراء من قبله، فإن انتماء أفكاره للفكر الإسماعيلي وارد على الأرجح. وفي استعراض موقفه، يقتبس قولاً للإمام محمد الباقر يؤكد بأنه يمكن القول بأن الله عليم وقادر فقط لأنه يعطي المعرفة للعالِم والقوة للقادِر. وتبعاً للشهرستاني، فإن مقولة الإمام هذه قد تناقلها الإسماعيليون لدعم مذهبهم. ولقد أكدت آراء رجب علي وشُرحت من قبل العديد من طلابه وأكثرهم شهرة كان القاضي سعيد القمّي (توفي 1103 هجري / 1691-92 ميلادي). تمسك القاضي سعيد في علم اللاهوت الصوفي التوجه الذي تبناه بفرضية معلمه عن المعنى المبهم لمصطلح الوجود فيما يتعلق بالله وأكد على سمو لله فوق العقل والوضوح. وأكد بأن إدراك الله يجب أن ينشأ في القلب على أساس نزعة الطبيعة الفطرية للإنسان، وذلك برفض أن العقل يمكن أن ينال المعرفة عن الله. اعتمد على مفهوم النفي المزدوج لصفات الله والذي طرحه بداية أبو يعقوب السجستاني كما وناقش وحدة الله بمصطلحات قريبة من التعليم الإسماعيلي، منكراً صفاتها الحسابية. تبنى قوام الدين محمد الرازي، وهو تلميذ آخر لرجب علي، مبدأ سمو الله فيما يتعلق بالوجود وتوسع به، من خلال رفض أن يدعى الله بـ ’واجب الوجود‘. وينوه كوربن أيضاً، إلى أنه حتى فيما بعد فإن نفس هذا التقليد اللاهوتي الفوق عقلاني قد قُدّم في عمل الشيخ أحمد الأحسائي (توفي 1241 هجري / 1826 ميلادي)، مؤسس مدرسة ’الشيخية‘، وكذلك في نظام الفيلسوف والصوفي اللاهوتي سيّد جعفر الكشفي (توفي 1267 هجري / 1850-51 ميلادي). إن دراسة فكر هذه المدارس لم تلبث أن بدأت، وتقييم كامل أهميتها وترابطها هو أمر سابق لأوانه. ومع ذلك فإن تكرار المطالبة بعلم لاهوت نبوي وفوق عقلاني بحيث يرى أن الله يسمو بالمطلق عن العقل والوجود لمدة طويلة بعد "القرن الإسماعيلي"، يشهد بوضوح على جذوره العميقة في الفكر الديني في الإسلام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
|