مقال التعلم مدى الحياة
القرآن في حياة وممارسة المسلم
هذه نسخة منقحة عن مقال كتبه محمود أيوب والذي نشر بالأصل في التقويم الإسلامي (بحث غيل، ديترويت، م. إي: ١٩٩٦، الصفحات ٣٥٥- ٣٦٤، حرره أ. نانجي). |
موجز
لقد قيل وكتب الكثير عن القرآن- منها أنه كتاب مقدس، كتاب مزور، تجميع لأفكار متباينة، أدب عظيم، أو عينة مشوشو حلم بها عقل بدائي. في حين أن القرآن كان مصدر حيرة لفهم الغرب، فقد كان بالنسبة للمسلمين مصدراً للإلهام، والعزاء، والخلاص. وفي الحقيقة، لم يكن القرآن بحد ذاته وإنما تأثيره على المجتمعات المسلمة ما كان الدافع وراء إستكشاف القراء الغربيين لبعض قوى وجمال القرآن.
تنزيل النسخة الكاملة بصيغة PDF
الكلمات الرئيسية
القرآن، النبي محمد، تلاوة القرآن، الوحي، التاريخ المسلم، جبريل.
لقرآن كوحي يسمع المسلم التقي في القرآن، صوت الله موجهاً ومشجعاً، مواسياً ومؤنباً، واعداً الصالحين بالرحمة والنعيم الأبدي، ومهدداً المشركين بالغضب والعذاب الأبدي. وبالنسبة للمسلمين، فإن القرآن هو كلمة الله، التي دخلت الزمن الإنساني لتشكل التاريخ. ووفقاً لمصادر مسلمة، فقد كشف الملاك جبريل نفسه للنبي محمد في عام ٦١٠ م عندما كان في حالة تأمل في كهف في جبل حراء، خارج مكة. ويقال أنه في هذا اللقاء الأولي، أمسك جبريل محمد بشدة لدرجة شعر بأنه اختنق. يقول القرآن أن الملاك أمره بعد ذلك :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) (القرآن ٩٦: ١- ٥).
يقول المسلمون أن الله حذر النبي محمد: ’ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ‘، وأمره بأن يقضي معظم الليل في الصلاة، وأن يذكر بشدة ما قيل له أن يكون، "رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ "(القرآن ٧٣: ٥ و ٧٣: ٨). وبالنسبة للمسلمين فقد جعل هذا "القول الثقيل" النبي محمد آخر رسول من الله للبشرية؛ و كان لهذا الحدث لها تأثير كبير على مسار التاريخ البشري.
يقال بأن القرآن قد بُلّغ للنبي محمد بطريقتين. يعتقد المسلمون أنه أبلغ عن طريق الملاك جبريل. وقد تم الكشف عن هذه التواصلات في أجزاء صغيرة: آيات منفردة، أومجموعات من الآيات، أوفصول كاملة ’سُوَر‘ على مدى فترة من ٢٠-٢٢ عاماً. القرآن بالنسبة للمسلمين ليس فقط مجرد كلمات يمكن أن تلفظ، أو تسمع، أوتسجل؛ بل هو أيضاً الأصل الإلهي الذي يمثل القرآن المقروء والمكتوب نسخة دنيوية منه. إن القرآن في أصله الإلهي هو بالنسبة للمسلمين مصدر الوحي الإلهي عبر التاريخ البشري وهو محفوظ إلى الأبد من قبل الله. هو عهد الله مع البشرية الذي بدأه مع بني آدم عندما كانوا مجرد أفكار أو خلاصات في المملكة الإلهية. لقد عُرف بأن النبي محمد أيضاً كان قد شهد هذا القرآن الإلهي، بالإضافة لكونه متلقي الوحي. لقد خاض حالة روحية عظيمة، فيها الإرتعاش كما في يوم صيف حار أو التعرق في يوم شتوي بارد، وسماع أصوات أحياناً كقرع الجرس. لقد حولت هذه الأصوات نفسها في وعيه إلى كلمات بشرية، والتي قام بحفظها وتسجيلها.
يعتقد المسلمون أيضاً بأن جزءاً من القرآن قد أُنزل على قلب النبي محمد في " لَيْلَةِ الْقَدْرِ" (القرآن ٤٤: ٣ و ٩٧: ١)، وهي ليلة مباركة لجميع المسلمين. كرّس هذا الحدث حياته وجعل النبي محمد مثالاً يحتذي به المسلمون. في القرآن، يسأل الله تعالى : ’أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ‘؟ فيجيب أولئك الذين اختاروا عبادة الله بعبارة : ’بَلَى شَهِدْنَا‘ (القرآن ٧ : ١٧٢). القرآن هو خاتم وشهادة على هذا العهد. ورسالته بالنسبة للمسلمين، هي تأكيد عظيم على السيادة الإلهية والتزام المسلمين.
لقد كان القرآن الكريم بإعتباره النص الدنيوي مرتبطاً بشكل وثيق بالتاريخ الإسلامي. وكان بمثابة الرد على مشاكل المجتمع العربي في زمن النبي محمد. وكان القرآن أيضاً رداً على أسئلة النبي محمد عن معنى الحياة البشرية وسر الخلق، وكان مرتبطا ارتباطاً وثيقاً بتاريخ المجتمع المسلم الوليد في مكة، وبعد ذلك في المدينة المنورة. لقد نزلت الكثير من الآيات القرآنية للإجابة على أسئلة محددة أو مواقف في الحياة. وقد اعتبر المسلمون هذه الإجابات المقدمة لتكون مبادئ عامة، وضرورات أخلاقية، أو كتعاليم تنطبق على كل زمان ومكان. ينظر المسلمون إلى أهل البيت، والذين ذكرهم القرآن مباشرة (انظر القرآن ٣٣: ٣٢)، كنموذج لجميع الأسر وجميع المجتمعات في العالم.
ترتيب القرآن
إنه لمن الضروري على كل مسلم تقي أن يتذكر أكبر قدر ممكن من القرآن. تبدأ صلاة المسلم لوحده في غرفة أو مع الجماعة بكلمات سورة إفتتاح القرآن (سورة الفاتحة). وتعتبر الصلاة وسيلة للمسلمين لذكر كلمة الله. وقد عُبّر ببلاغة عن هذا التبادل الإلهي البشري في الحديث القدسي ، قول للنبي نقلاً عن الله:
"قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ’الحمد لله رب العالمين‘، قال الله: ’حمدني عبدي‘، وإذا قال: ’الرحمن الرحيم‘، قال الله: ’أثنى عليَّ عبدي‘، فإذا قال: ’مالك يوم الدين‘، قال الله: ’مجدني عبدني‘، فإذا قال: ’إياك نعبد وإياك نستعين‘، قال الله: ’هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل‘. (م. أيوب، القرآن وتفسيراته)
تعتبر الفاتحة وهي سورة إفتتاح القرآن، من قبل المسلمين صلاةً كاملة. أول ثلاثة ونصف من آياتها السبع هي صلاة الثناء. بقية السورة هي صلاة من أجل الهداية والنعمة الإلهية. ليست الفاتحة فقط ولكن القرآن كله هو صلاة للمسلمين. وهو أيضاً خطاب إلهي للمسلمين. وهكذا، في كل صلاة، يؤمن المؤمن المسلم بأن الله سيكشف نفسه له وسيحصل على كلمة الله. إن صلاة المسلم هي صلة وصل الإنسان مع الله من خلال القرآن.
القرآن كتلاوةيجد المسلمون بتلاوة القرآن وحفظه ونسخه أو إقتناء نسخة منه في بيوتهم مصدراً للبركة العظيمة. وفي الحقيقة، يؤمن المسلمون بأن مكانة الرجل أو المرأة المسلمة في الجنة يوم القيامة سوف يتحدد وفقاً لما حفظوه من آيات القرآن خلال حياتهم على الأرض. كما وأن دراسة وفهم مبادئ وتعاليم القرآن يعطى قدراً أكبر من البركة والطمأنينة للمسلمين. يقال بأن النبي أعلن: ’ما إجتمع ناس في أحد بيوت الله لتلاوة القرآن ودراسته إلا وأنزل الله سكينته عليهم‘. من المحتمل أن يكون أصل كلمة سكينة يعود لكلمة ’شكينة‘ في اللغة العبرية وتعني ’لمجد يهوى‘. يمكن أن يكون مثل هذا الإشتقاق نتيجة لتواصل النبي محمد مع كل من اليهود والمسيحيين قبل وخلال هبوط الرسالة. ’تغمرهم الرحمة، وتحيط بهم الملائكة، ويتذكرهم الله في صحبة من كان معه‘. يقال بأن مرتلي القرآن وحفظته ومن يعيش وفقاً لتعاليمه هم ورثة النبي. يؤمن المسلمون بأن القرآن يقدس قلب ومنزل المسلم ويجعله مشاركاً في الوحي الإلهي. كما ويعتقد بأن نحت كلمات القرآن على البناء أو المصنع أوالآلية يجلب البركة أوالحماية.
القرآن قبل كل شيء هو ’كتاب هداية لمن يخاف الله‘ (القرآن ٢: ١-٥). يُدعى المؤمنون للتفكّر بالقرآن ودراسة كل من معاني وتطبيقات آياته، وأن يهتدوا بها في سياق حياتهم اليومية. يقصد من القرآن أن يكون أساس المجتمع المسلم. ينظم القرآن علاقة الأبناء بآبائهم ومسؤولية الآباء تجاه الأبناء. إنه ينظم علاقات المسلم وإخوته المسلمين وغير المسلمين، وعلاقة الشخص مع الدولة وأجهزتها الحاكمة، وعلاقة الإنسان مع الله. إنه ينظم حياة المجتمع في أوقات السلم والحرب، كما وأنه يشرع الأسباب والقواعد التي تحكم الحرب. القرآن بإختصار هو مدرسة للمسلمين، إنه يهذبهم من الناحية المادية والأخلاقية والروحية.
القرآن كإلهاموقد اعتبر المسلمون القرآن على أنه معجزة من الكلام. وينظر المسلمون الى أسلوبه وتعابيره الفذة ووحدته الملموسة على أنه دليل على أصله الإلهي. شغل تفسيره بعض أفضل العقول لدى الجماعة المسلمة. وقد تطورت دراسة قواعد ولغة وبلاغة وتشبيهات واستعارات وأمثال وقصص ومفاهيم القرآن في العلوم الجليلة. وبالمثل، فقد استقطبت تلاوة القرآن، سواء بطريقة الترتيل البسيط أو عن طريق الأداء الموسيقي الفني المتطور بدرجة عالية (التجويد)، أفضل أصوات ومواهب المجتمع مسلم على مر التاريخ الإسلامي. فخلال تلاوة القرآن يشعر المسلمون الأتقياء بقوته وجماله. ولذلك يحظى قراء القرآن بمكانة خاصة من الشرف في المجتمع المسلم.
لقد وضع القرآن معياراً للتميز في الأدب العربي. كما وتخلل أدب لغات المسلمين الأخرى. يلقي المسلمون التحية على بعضهم البعض بعبارات من القرآن، ويعبرون عن مشاعرهم وأفكارهم بكلمات وأفكار من القرآن أيضاً. ويعتقد أن القرآن الكريم قد أنزل على النبي محمد ومن خلاله للبشرية "وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ" (القرآن ١٦: ١٠٣). وبالرغم من أن القرآن الكريم قد ترجم إلى معظم اللغات الرئيسية في العالم، فهو لايزال يتلى في لغته الأصلية. ترجم القرآن وفسرت معانيه إلى لغات أخرى فقط لغرض دراسة وفهم تعاليمه. وللتعرف على القرآن الكريم في جميع أبعاده، لا بد من دراسته بلغته الأصلية.
وقد حفّز هذا الهدف العديد من العلماء المسلمين غير الناطقين بالعربية أن يتفوقوا في دراسة لغة القرآن. وقد كانت اللغة العربية على مدى قرون هي اللغة الدولية للأدب والفلسفة والعلوم الإسلامية. وبقي القرآن الرمز والمصدر وإطار الوحدة الإسلامية.
وقد انتشر الإسلام على إمتداد مناطق متنوعة وواسعة جغرافياً وثقافياً من العالم. وقد تكيّف ليلائم احتياجات مختلف الشعوب والثقافات. وفي سياق هذه العملية اشتمل الإسلام على العديد من الشخصيات والتعبيرات المختلفة على نطاق واسع. يؤكد القرآن هذا التنوع الكبير ويوفر الوحدة الأساسية في ممارسات العبادة، والتعبير الأدبي، والثقافة الشعبية. تشكل المفاهيم المتناقضة، المتمثلة في وحدة الإسلام وتنوعه وأساسها القرآني، قوة الإسلام المعتبرة. إن مبدأ وحدة الأسرة البشرية هو مبدأ قرآني هام : َيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء (القرآن ٤: ١). إن مبدأ التنوع هو أيضاً مبدأ قرآني. وإن الإختلاف في العرق واللون والعقيدة هو قدر محتم الهياً.
لقد كان القرآن مصدراً للإلهام لا ينضب بالنسبة للمسلمين في كل مجال للمعرفة وكل مسعى إنساني. يقول المسلمون الأتقياء بأن القرآن يتحدث عن كل حالة في حياة المجتمعات المسلمة فضلاً عن وضع كل فرد مسلم. وقد أصر المسلمون على أن القرآن ينطبق على جميع الحالات وفي جميع الأوقات. ولكن، ومن أجل أن يكون عالمياً في نطاقه ومعناه، فإن القرآن يقرأ ويحفظ في قلب كل مسلم كما لو أنه أرسل عليه في تلك اللحظة، وعليه وحده.
للمزيد من المعلومات عن المراجع، يرجى الإطلاع على النسخة الإنكليزية.