معهد الدراسات الإسماعيلية

معهد الدراسات الإسماعيلية

المنشورات الأكاديمية

الدراسات القرآنية

دراسات آسيا الوسطى

دراسات أكاديمية

بحسب التاريخ

بحسب المؤلـِّف

بحسب العنوان

مسـاهمات في الموسوعات

منشورات مترجمة

لقاءات مع المؤلفين

الندوات والمؤتمرات والمحاضرات العامة

برامج المنح

برنامج الزمالة الزائرة

أدلة القراءة

A  A  A  

RSS  RSS

أرسل هذه الصفحة أرسل هذه الصفحة

إطبع هذه الصفحة إطبع هذه الصفحة

محرك البحث الفوري

دراسات أكاديمية

الفلسفة والعلوم الإسلامية

Dr Alnoor Dhanani
نشرت هذه المقالة أصلاً في التقويم الإسلامي( Gale Research Inc, Detroit,MI:1996p189-204 تحقيق عظيم نانجي؛ وأعيدت طباعتها مع التصحيحات  

چکیده
 كما التقاليد الفكرية للحضارات الأخرى، بحثت تقاليد الإسلام الفكرية جملة القضايا التي تقع ضمن إطار العقل. تركز الدراسة الحالية على القضايا التي تصنف اليوم بأنها تنتمي إلى أنظمة العديد من فروع الفلسفة والعلوم. تبحث الدراسة في التطور التاريخي لمدارس الفلسفة المتنافسة وبعض التطورات الهامة في العلوم خلال عصور الحضارة الإسلامية في القرون الأولى ( القرنين الأول والثاني الهجريين ، السابع والثامن الميلاديين، والقرون الكلاسيكية ( الثالث إلى السادس الهجريين/ التاسع إلى الثاني عشر الميلادييين والقرون الوسطى ( السابع الحادي عشر الهجريين و الثالث عشر-السابع عشر الميلاديين).


المصطلحات الأساسية        

 المعرفة، نظرية المعرفة، الفلسفة الدينية (الكلام )، الفلسفة الهلنسية الإسلامية( فلسفة)، المعتزلة ، الأشعرية ، الأفلاطونية الحديثة، الفلسفة الباطنية ، الفلسفة الإشراقية، الميتافيزيقيات( الماورائيات)، علم الكون ، الأخلاق، الفلسفة السياسية، الانبعاث( الفيض)، العقل الفعال، العلوم الفيزيائية ( الطبيعية)، علم الفلك ، علم التنجيم ، البصريات ، الطب، الرياضيات ، المرصد ، المستشفى، الترجمة ، دار العلم، الفاطميون.

 
Download PDF version of article 156 KB
 
 
 قائمة المحتويات
 ·  المقدمة
·  البحث عن المعرفة
· الفلسفة
o الفلسفة الدينية
o الفلسفة الإسلامية الهلنستية
o الكندي
لفارابي
o الفلاسفة الهلنستيون الإسلاميون الأندلسيون
o الفلسفة الباطنية
· العلوم
         o علوم الرياضيات
        o العلوم الفيزيائية
        o الطب
 
·تعليم أوربا – حركة الترجمة العربية –اللاتينية 
 
المقدمة
  إن البحث عن المعرفة أمر أساسي بالنسبة للخطاب القرآني. وهدف المعرفة ليس التأمل المجرد بل اكتشاف الفعل الذي يؤدي إلى السعادة النهائية. في بيئة الحضارة الإسلامية للعصور الكلاسيكية والوسطى الخصبة فكرياً والتحفيزية والمتنوعة والمتعددة دينياً وعرقياً، وجد حوار مكثف بين الأنظمة الفكرية المتنافسة. و هذا الحوار الذي استمر عبر القارات والقرون حتى أثناء تطور هذه الأنظمة ركز على قضايا الهوية وأسس المعرفة "الحقيقية" التي على المرء اكتسابها وجعلها قاعدة للعمل.
 
البحث عن المعرفة
 

بالنسبة للكثيرين، توجد معرفة من هذا القبيل في القانون الإسلامي مستمدة من المصادر التقليدية للقرآن والحديث النبوي. إذاً، فالخلاص يستوجب أن يعيش الإنسان حياة طبقاً للقانون. أما المعرفة الحقيقية، بالنسبة للآخرين، فهي باطنية و رمزية ( صوفية)، وبالتالي يكمن سبيل الخلاص في البحث عن المعلم الحقيقي والدخول في الممارسات التعبدية المرشدة إلى الاتحاد مع الله. وما يزال آخرون يعتقدون أن المعرفة الحقيقية تتكون من الفهم العقلي لطبيعة الله وصفاته وخلقه العالم ، واعتماد العالم عليه ونعمه ورحمته بمخلوقات هذا العالم كما جسدتها النبوة. وبالنسبة لهم يكمن الخلاص في ممارسة العبادات التي سنها الأنبياء، بشرط أن يكون أداء هذه الممارسات قد أسس على المعرفة العقلية . في حين اعتبرغيرهم أن المعرفة الحقيقية هي الحكمة الفلسفية للقدماء كما وجدت في الرؤية الأرسطية والأفلاطونية الحديثة للعالم. فالخلاص الذي اعتقدوا به، كان موجوداً طبقاً للمبادئ الأخلاقية لهذا النظام ، أي التطوير الفكري الذاتي والعيش الكريم، الذي يفسح المجال للنفس بأن تحرز الخلود من خلال "العقل الفعال"

إن التحليل المبسط جداً لهذه الصيغ يثير الصراع بين العلومَ "الأجنبية" أو العلوم الدنيوية المستمدة من الأقدمين (خصوصاً اليونانيين) وبين العلوم الدينية أو التي أوحى بها الله إلى النبي، بترديد الرأي المثالي الخاطئ حول التنافر بين العقل والدين مع أنه سائد. في سياق العصور الإسلامية الكلاسيكية والوسطى، كان للتفاعل بين العلوم الدينية والعلمانية نتائج رائعة، لأن التفاعل كان عملية تم بموجبها استيعاب المعرفة ذات الأصول غير الإسلامية ومن ثم تطبيعها في حضارة ذات مكونات مختلفة. وضمن هذا التفاعل تبنت العلوم الدينية والدنيوية أساليب ومبادئ من بعضها عبر قرون من الحوار النقدي و الحاد أحياناً.. ويمكن تحديد ثلاث حركات فلسفية بشكل واسع ضمن إطار التطور التاريخي لهذا التفاعل: الدينية أو فلسفة علم الكلام ، والفلسفة الإسلامية الهلنستية ( الفلسفة) والفلسفة الصوفية( الباطنية). كان التقليد العلمي في الحضارة الإسلامية مؤتلفاً مع ثاني هذه الفلسفات يعني الفلسفة الإسلامية الهلنستية.

لقد كانت جغرافية الإمبراطورية الإسلامية المبكرة أساسية بالنسبة لظهور الأنظمة الفكرية للحضارة الإسلامية في العصورالكلاسيكية والوسيطة. كانت شبه الجزيرة موطن النبي محمد على حدود مراكز الدراسة في أواخرالعصور القديمة. وفي عقود قليلة من وفاة محمد سيطرت الجيوش الإسلامية على منطقة واسعة تمتد من المحيط الأطلسي إلى حدود الهند. كنتيجة لذلك، ففي مراكز الدراسة الهلنستية مثل الإسكندرية وإنطاكية حيث كانت تدُرَس النصوص الأرسطوطالية والأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة والنصوص الأخرى بالإضافة إلى أن مراكز الدراسة المانوية والبوذية والبرديسانية....واليهودية والمسيحية، كانت حينئذ جزءاً من إمبراطورية فريدة شكلياً حيث أصبحت اللغة العربية مع الزمن لغة الخطاب الفكري. فقد كانت اللغة عنصراً وحيداً يوحد هذه الإمبراطورية الواسعة والمتنوعة. أما العناصر الأخرى فتشمل مقياس التجانس الثقافي والإحساس الجمالي والرعاية والكفاح لإيجاد معنى الممارسة والسلوك في الرسالة الإسلامية واكتشاف معاييرها ، وما هو أكثر أهمية، موقف تقدير تجاه المعرفة المستمدة من القرآن. كذلك مارست العوامل المادية دوراً ما، خصوصاً، توفر الورق. إذ بدأ اكتشاف صناعته في الصين إلا أنه انتشر عبر الإمبراطورية الإسلامية في القرن الثامن. وحيث أمكن أن تنتج الكتب بأثمان رخيصة تزايدت سرعة انتشار المعرفة. وأعقب ذلك ازدهار في تجارة الكتب، دلالة على الرغبة بالمعرفة والتي بدورها أوقدت نشاطاً فكرياً أعمق.

الفلسفة

الفلسفة الدينية

لا يوجد مثيل"لعلم الكلام" في التقليد الغربي. ومع أن توجهه لاهوتياً، فالكثير من مادته فلسفي لأنه يتضمن نظرية معرفية وتحليلاً وعلم الكون والماواورائيات. وفضلاً عن ذلك، فمنهجه في حد ذاته عقلي وأسلوبه فلسفي. وهكذا فإن قاعدة النظرية المعرفية ودورالفلسفة الدينية في الحضارة الإسلامية للعصور الكلاسيكية والوسطى تختلف و إلى حد ما تناقض علم اللاهوت المسيحي للعصور الوسطى.

ظهرت الفلسفة الدينية خلال مئة سنة بعد وفاة النبي محمد في بيئة انشغل فيها المسلمون بقضايا متعلقة بهويتهم وبالتالي ارتبطوا بسلسلة واسعة من الحوار حول العقائد والقيم والمفاهيم والعبادات وعموماً حول الرؤى الشاملة. وقد جرت هذه الحوارات بين المسلمين وكذلك بينهم وبين جيرانهم من غير المسلمين. وساهمت عوامل عديدة في الإلحاح على مسائل من هذا القبيل والقضايا المتعلقة بالممارسة الصحيحة والمعتقد والمبدأ الصحيحين. فقد رغبت بعض الرعايا غير المسلمة أن تعتنق الدين الجديد وتفهم جيداً عمل الجيلين الأولين من المسلمين اللذين وضعا حجر أساس المعرفة بقضايا العقيدة. وفي هذه الجماعة الإسلامية المتنوعة والمتطورة باطرَاد نوقشت وطورت مقاربات عديدة للرسالة الإسلامية تجسدت في ظهور الأنظمة الفكرية في الوقت المناسب. وكانت مسائل الجبر والاختيار وطبيعة الله وصفاته والنبوة والوحي وصلة الله بالعالم المخلوق وصفات وخصائص الأشياء وطبيعة البشر والقتل، كانت موضوعات تندرج تحت مجال الفلسفة الدينية..وفي هذه البيئة المتعددة الديانات اشتملت مناقشة هذه القضايا على آراء مؤيدة لمعتنقي الديانات الأخرى، وبشكل أساسي المسيحيين والمانويين بالإضافة إلى آراء أنصار النظرية الفلسفية وعلم الكون مثل التشكك والنسبية والعلة والمعلول وأبدية العالم.

لقد فقدت مؤلفات الفلاسفة المسلمين الدينية المبكرة. والأجزاء المحفوظة منها في الأعمال المتأخرة تشير إلى رأي منفتح لكنه نقدي. إن تعددية الآراء الفردية والمناهضة لسلسلة واسعة من القضايا تعكس انشغال ‘الفلاسفة الدينين‘ في القضايا المعاصرة لتلك الفترات الزمنية، التي استخلص بعضها من أبحاث العصور القديمة المتأخرة في النظرية الفلسفية وعلم الكون. مثلاً، ما يخص مسألة صفات الأشياء وخصائصها، اعتقد هشام بن الحكم المتوفي حوالي 795 وأتباعه بأن جميع الأشياء مادية عدا الله بغض النظر عما إذا كانت أجساماً أو خصائص (مثل اللون أو الطعم). لذلك، تتكون الأجسام المدركة من مجموعة من الصفات المادية( رأي طرحه ستوكس). واعتقد ضرار بن عمرو المتوفي حوالي 815 م وآخرون برأي مخالف وهو أن الأشياء المخلوقة هي كلها خصائص غير مادية و أن الأجسام المادية تظهر حين تجتمع هذه الخصائص مع بعضها (كان هذا رأي غريغوري من نياسا وهوأب مسيحي من القرن الرابع عشر). واعتقد أبو الهذيل المتوفي 841 م ومعمر المتوفى 830 وبشر بن معتمر المتوفى ما بين 825-840 وأتباعهم بأن الأشياء المخلوقة هي إما ذرات مادية أو خصائص غير مادية، و أن تلك الأجسام تتكون من خارج تركيبها ( وقد اعتقد بهذا الرأي بعض المثنوية؛ وكذلك عبر اليونانيون الذريون ًعن رأي مشابه.

أثناء النصف الأخير من القرن التاسع ، كنتيجة لجهد أبي علي الجبائي المتوفى 915 م وابنه أبي هاشم المتوفى 933 م واتباعهما ظهر نظام اتسمت به فلسفة المعتزلة الدينية الكلاسيكية .. فباختصار، اعتقدوا بأن الأشياء إما موجودة، أو ممكنة الوجود أومستحيلة. ويشتمل وجود الأشياء على أبدية الله والعالم المخلوق من الذرات التي تملأ الفراغ وخصائصها الموروثة. إن هذه الخصائص إما مدركة مثل اللون والطعم والصوت؛ أو غير مدركة مثل القوة والحركة؛ أو حالات نفسية للكائنات الحية مثل المعرفة والإدراك والإرادة؛ أو هي قدرات مثل القدرة على الاستمرارفي الحياة وعلى الحركة الذاتية. تتحد الذرات والخصائص لتشكل الجمادات بالإضافة إلى تركيب الكائنات الحية. إن للأشياء البسيطة صفات أساسية تجعلها نوع الأشياء التي هي ذاتها ( الله أزلي وحي وعليم ويملك الفعل الذاتي؛ الذرات تملأ الفراغ) ويمكن أن يكون لها صفات إضافية ( الكلام الإلهي، وكون الذرة بيضاء). الفعل المعلل ينتمي حصراً إلى الكائنات الإرادية لأنها وحدها تمتلك المقدرة على الفعل الذاتي. لذلك "فالطبيعة" أو الفعل "الطبيعي" هو غير موجود "بالفعل". فنشاط الله المعلل لا محدود، لأن المقدرة على الفعل الذاتي هي إحدى صفاته الأساسية. ومهما يكن فمقدرة البشر( الإنسان) على الفعل غير أساسية لذا فإن الفعل البشري بحد ذانه محدود.. وقد تقوم الأفعال المسببة بدورها فوراً، مثل إيجاد ذرة ما أو أن شخصاً ما يلتقط حجراً، أو قد تقوم هذه الأفعال بدور تدريجي من خلال الأسباب الثانوية، كأن يتنكر شخص ما قوة صاعدة في حجر ما، تولد حركة في اللحظة الأخرى. الله خلق العالم فوراً. وعملية الخلق مستمرة وتشمل كل شيء بالإضافة إلى أفعال البشر.

(إن) المعرفة البشرية نوعان:(آ) معرفة مباشرة للحقائق الأولية والمبادئ الأخلاقية، وعناصر الإدراك، وأحوال الإنسان الداخلية؛ (ب) والمعرفة المكتسبة المستمدة من التفكير المتأمل في النقاش والوحي والتقليد إلخ. ويرغب البشر انطلاقاً من مصلحتهم الذاتية في تجنب الأذى وتحقيق المنفعة. وبالتالي لابد أن يفكروا في القضية الهامة: تحقيق النعيم المقيم وتجنب الشقاء الأبدي، ولابد أن يكونوا أغبياء إذا قلدوا شخصاً ما تقليداً أعمى في ادعائه امتلاك المعرفة. يجب أن يبحثوا عن معرفة الله العقلانية الوثيقة ويقدروا كرمه و لطفه، وخصوصاً، في إرساله الأنبياء لهداية البشر. وينبغي أيضاً أن يقوموا بالأعمال السليمة أخلاقياً لإحراز الثواب حسب الوعد الإلهي. يُمكِنُهم التأمل من أن يقرروا سلامة الأخلاقية للفعل لأن تكون المبادئ الأخلاقية هدف و معروفة مباشرة للناس الراشدين. وهكذا سيحاسبهم الله بعدالة على أفعالهم . كذلك يقود التأمل الفكري إلى المعرفة العامة بالحقائق الدينية مثلاً وجود الله وصفات الله(وصفاته). ومع ذلك فإن ممارسات دينية معينة مثل أشكال الصلاة والحج قد سنها وأسسها الأنبياء، وهي بحد ذاتها لا يمكن معرفتها إلا من مصادر المعرفة التقليدية أو التي أوحيت إلى النبي. وهكذا، مع أن العقل أساسي، فالوحي ضروري لتأسيس الدين ولتأسيس نظام سياسي واجتماعي مساعد على ممارسته.

إن دور المنطق والأخلاق وعلم الكون ونظرية المعرفة والسياسة في نظام المعتزلة واضح كوضوح توجهه اللاهوتي. لكن التركيز على العقل، وفوق ذلك، على أسلوبه الجدلي والرافض هو فلسفي. علاوة على ذلك، وبمعزل عن [العلاقة الثانوية المشتقة العلة و المعلول (الأثر)] فإن هذا النظام خياري ( مخير)، حيث يكون البشر أحراراً بالقيام بالأفعال أو الامتناع عنها. ومن غير الطبيعي، أن يكون العلماء الدينيون التقليديون والفلاسفة المسلمون الهلنستيون قد تحدوا المعتزلة. ورأي المعتزلة بأن خطاب الله، أي الوحي، ليس من صفات الله الأساسية وهو بالتالي مخلوق ليس أزلياً بل مخلوق عرضيا، هذا الرأي يرفضه التقليديون. ومع بداية القرن التاسع، كان المعتزلة أقوياء سياسياً، وبالتالي فرضوا مبدأ خلق الوحي على الرسميين في الحكومة بمن فيهم القضاة الدينين. وأدى الاستقصاء الناتج عن هذا الفرض إلى سجن التقليديين المشهورين كالعالم البارز والفقيه المشهور أحمد بن حنبل ( المتوفى 855). وقد انتهى هذا الاستقصاء والهيمنة السياسية للمعتزلة في عهد الخليفة المتوكل( 547-861).

في 912-913 م، انشق أبو الحسن الشعري ( المتوفي 935) أحد الجبائيين، التلميذ الأكثر عبقرية ليؤسس مدرسة علم كلام الأشعرية، المتعاطفة مع التقليديين . وعلى مدى القرون الثلاثة الثلاثة قرون التالية من الزمن، أصبحت الفلسفة الدينية الأشعرية هي مدرسة علم الكلام المجمع عليها والسائدة تدريجياً. وإلى درجة كبيرة، انحسرت موضوعات المعتزلة الرئيسية والبنية التحليلية ونظرية المعرفة وعلم الكون. وحدث التحول الهام حول طبيعة الله والبشر. وبينما أكد المعتزلة عدالة الله، معتقدين بأن من المستحيل أبداً أن يقوم الله بأفعال غير عادلة( لأن الله والإنسان يتطلعان إلى ذات المبادئ الأخلاقية الهادفة)، فقد أكد الأشاعرة قدرة الله و استقلاليته المطلقة. وهكذا أنكروا موضوعية المبادئ الأخلاقية. فمن وجهة نظرهم، كانت المبادئ الأخلاقية ضمن إطار الإرادة الإلهية، ولا يمكن للبشر أن يجدوا سبيلاً لها إلا من خلال الوحي. وبناء على ذلك أقروا أولوية الوحي على العقل. وعلاوة على ذلك، فإن القدرة الإلهية المطلقة تقتضي إنكار الفعل المعلل( الأداة بالنسبة للبشر. ويمكن أن يقال أنها أفعال معللة مجازية فقط، لأنها "تُكتسب" من الأفعال التي يقوم بها الله بالفعل فقط. ومن غير الطبيعي أيضاً أن ينكر الأشعريون العلاقة الناتجة عن العلة والمعلول. وبالتالي فإن نظامهم عرضيٌ، حيث يكون كل فعل في العالم يسببه الله مباشرة. لذلك، فإن نَسب(نسبة) علاقة تعليلية بين مجموعة أحداث سابقة و أحداث لاحقة لوحظت مترابطة على نسق واحد( مثلاً،الحريق ينتج عن احتكاك النار بالقطن) فهذا أمر خاطئ، لأن تناسق توالي هذه الأحداث إنما يعكس اختيار الله للفعل المعتاد حيث يمكن أن يختار بإرادته المطلقة تغييره. أخيراً رفض الأشاعرة تمييز المعتزلة بين صفات الله وذاته وبالتالي خلق كلام الله (القرآن).

لقد شرح الرأي الأشعري ودافع عنه ضد نقد المعتزلة والفلاسفة المسلمين الهلنستيين والتقليديين، أتباع الأشعرية ولاسيما الباقلاني المتوفى 1013 وابن فراق المتوفى1015 والجويني المتوفى 1085 وأبو حامد الغزالي المتوفى 1111 مؤلف كتاب تهافت الفلاسفة. وفي هذا الكتاب دافع الغزالي عن رأي الأشعرية في حرية الله المطلقة والقرار المعلل، مهاجماً اعتقاد الفلاسفة المسلمين الهلنستيين بخلود العالم؛ وعقيدتهم الفيضية، التي أنكرت فعل الله المعلل ومعرفته بكل تفصيلات العالم و بدلاً من ذلك نسبة القدرة العقلية والفاعلية المعللة للعقول والأنفس العلوية؛ وإنكارهم للبعث الجسد ي ونظريتهم في العلة الطبيعية. ومن خلال إطَلاع الغزالي الواسع على الفلسفة الإسلامية الهلنستية كان واضحاً في شمول "التهافت" للغتها الفكرية)فدراسته الأولية، بعنوان أهداف الفلاسفة، هي ملخص وجيز للفلسفة الهلنستية كان بالإضافة إلى التهافت متوفرأ في الترجمة اللاتينية في أوربا في العصر الوسيط. ونتيجة لذلك اعتبر الأوربيون الغزالي بأنه أحد الفلاسفة المسلمين الهلنستيين).

لقد دخلت الفلسفة الدينية مع الغزالي مرحلة جديدة عندما عدَل اللغة الفكرية والمنطق للفلسفة الهلنستية من دون المساومة على الحرية والتقدير الإلهيين المطلقين كحجة مسلم بها. لذلك شكا المؤرخ ابن خلدون المتوفي 1382 أن الغزالي وأتباعه خلطوا الفلسفة الدينية بالفلسفة الإسلامية الهلنستية. إن الفلاسفة الدينيين المشهورين بعد الغزالي يضمون فخر الرازي المتوفى1209 وعضد الدين الإيجي المتوفي1355. فقد أصبح كتاب الإيجي الكلاسيكي، محطات الفلسفة الدينية، من أمهات كتب الفلسفة الدينية وكان موضوعاً للكثير من والشروح والتفاسير. وقد خصصت أربعة فصول من فصول الكتاب الستة للمواد الفلسفية من المعرفة النظرية وعلم الكائنات والأجسام والخصائص فيما يغطي الفصلان الآخران تماماً موضوعات كلامية عن الله والنبوة. وفضلاً عن ذلك، يناقش الإيجي وشارحوه تنوع الآراء حول هذه المواد، بما فيها أعمال الفلاسفة المسلمين الهلنستيين.

هذه المقدمة للفلسفة الدينية تنطبق أساساً على علم الكلام السني السني الأصولي. . أما فيما يتعلق بالفلسفة الدينية عند الشيعة، فقد عدل الزيديون وكذلك مبدئياً الإثنا عشريون علم الكلام المعتزلي. والإسماعيليون عدلوا الفلسفة الهلنستية ضمن إطارهم الفكري. ومع ذلك فإن ، ، نصير الدين الطوسي العالم والفيلسوف المتوفي 1274 قد أعاد في القرن الثالث عشر صياغة علم كلام الشيعة الإثنا عشري وفقاً لنظام الفلاسفة المسلمين الهلنستيين ولغتهم الفكرية.

كما امتد تأثير الفلسفة الدينية الإسلامية إلى اليهودية. وتأثر القراؤون بمن فيهم يوسف البصير المتوفى 942 بفلسفة المعتزلة الدينية. وبالنتيجة، وجد كذلك الحوار الدائر بين الفلسفة الدينية والفلسفة الإسلامية الهلنستية بين المفكرين اليهود في البلدان الإسلامية. يقدم ميمون المتوفي 1204 في كتابه دليلاً للشك رواية للفلسفة الدينية التي يدحضها فيما بعد.

الفلسفة الإسلامية الهلنستية

الفلسفة الإسلامية الهلنستية أو الفلسفة هي هلنستية من حيث الهامها وتطلعها. إن صفتها "الإسلامية" هي سمة مميزة للبيئة الإسلامية الحضارية وليست تقليداً لها، أو انتقاصاً منها كما كان يفهم منها بسبب ذلك بأنه فهم تقليدي قياسي للإسلام. فضلاً عن ذلك، لم يكن جميع متعاطيها مسلمين. إذ كان بعضهم مسيحياً والبعض الآخر يهودياً. وقد تولد زخم الفلسفة الهلنستية أثناء نقل النصوص اليونانية إلى العربية. ومع مرور الوقت تطورت القضايا الفلسفية لهذه النصوص كثيراً وطُبَعت ببيئة لها قضاياها الخاصة وفلسفاتها المتنافسة.

إن الدافع لملاءمة المعرفة القديمة ومن ثم تطبيعها نشأ من مبدأ إسلامي في إجلال المعرفة. وفي إحدى عمليات النقل الهامة للمعرفة السابقة للعصر تُرجم كامل تراث العالم القديم العلمي والفلسفي تقريباً إلى العربية. ويشير برهان ما بأن الترجمة إلى العربية ربما بدأت في بداية القرن الثامن، لكن سرعتها ازدادت تحت رعاية الخلفاء العباسيين. وقد كان نشاط الترجمة يقصد التركيز على النصوص العلمية والفلسفية الكلاسيكية فيما يترك جانباً النصوص الأدبية مثل التراجيديا والملحمة الشعرية اليونانية. وتتجلى أهمية الترجمة في سرعة إيفاد المبعوثين الرسميين إلى بيزنطة للحصول على المخطوطات. وقد سهل الترجمة النشاطُ الدؤوب للفلاسفة الدينيين الذين بدؤوا بابتكار المصطلحات الفلسفية في العربية. كما أدت الرعاية دوراً أساسياً. حيث أعطى الخليفة العباسي المنصور( الذي حكم من 754-775 ) الأمر بترجمة الكتب الفلكية والطبية من اللغة السنسكريتية. و ذهب خلفاؤه هارون الرشيد ( حكم من 786-809) والمأمون( حكم من813-833) أبعد من ذلك إذ أعطوا الأوامر بترجمة الكتب اليونانية وأسسوا مؤسسة الوقف لبيت الحكمة للإشراف على الترجمة والاهتمام بالنشاط العلمي. و كان رعاة الترجمة الآخرون يشملون أثرياء الحكومة الرسميين و الأمراء والأفراد. لذلك، ومع حلول القرن العاشر فقد توفر بالعربية الكثير من التراث الفكري الهلنستي بالإضافة إلى مواد من إيران والهند القديميتين. ومن وقتها غلبت رؤية العصور القديمة المتأخرة الفلسفية على هذا التراث، فقرب الفلاسفة المسلمون الهلنستيون الفلسفة الهلنستية من إطار الأفلاطونية الحديثة.

إن معظم المترجمين كانوا يتكلمون السريانية سواء أكانوا مسيحيون نسطوريون أم صابئة من حرَان. وكان النسطوريون مطلعين على الفلسفة الهلنستية بحكم مؤلفاتهم اللاهوتية، خصوصاً فيما يتعلق بالثالوث المقدس مستخدمين لغة هذه الفلسفة الفكرية. وكان الصابئة عبدة النجوم وعارفين بالرياضيات والفلك اليونانيين. وهكذا كانت بعض النصوص اليونانية متوفرة بالسريانية قبل الفتوحات العربية. لكن الترجمات العربية سواءً أكانت ترجمة مباشرة من اليونانية أم عبر الوساطة السريانية ذهبت أبعد من ذلك فيما يتعلق بالكمية والنوعية. و اشتهر بين المترجمين حنين بن إسحاق النسطوري المتوفي873 وابنه إسحاق بن حنين المتوفى 910. فألفا الرسائل العلمية والفلسفية. كذلك اشتهر الصابئي ثابت بن قرة المتوفى 901 كفلكي ومترجم للأعمال العلمية.
 
الكندي
يعتبر أبو يعقوب الكندي المتوفى 870م أول فيلسوف مسلم هلنستي أو، وفقاً لكاتبي السيرة في العصور الوسطى، هو "فيلسوف العرب". تمتع برعاية الخليفتين المأمون والمعتصم( حكم من 833-842). واهتمامه باكتساب معرفة القدماء كان رائعاً ودالاً على بيئة محفزة.. حتى أنه أُمر بترجمة عربية لميتافيزيقيات أرسطو. وكتب إدراكاً منه لمهمة تقديم الدراسة الهلنستي: "يجب ألا يصغرنا طلب الحقيقة بل إن الحقيقة تشرف الجميع مهما كان مصدرها، حتى ولو جاءت من أعراق بعيدة وأمم مختلفة". كتب الكندي أعمالاً تمهيدية عديدة في العلوم والفلسفة لإطلاع القراء على التراث الهلنستي. إن فلسفته مشهورة بمجالين أولهما هو أنه كان الفيلسوف الوحيد بين الفلاسفة المسلمين يناقش بخلق العالم الدنيوي. الثاني، هو أن رسالة الكندي عن العقل تمهد للنظرية المعرفية عند الإفلاطونية الحديثة، التي أصبحت العلامة الفارقة للفلسفة الهلنستية الإسلامية، (والتي)مفادها بأن للعقل مقدرة كامنة من أجل المعرفة وأن نقلها لتصبح معلوماة بالفعل ويسببه العقل الفعال. وذكر أرسطو باختصار شديد "العقل الفعال" الذي هو منفصل وخالد في عمله عن النفس. وقد حدد فلاسفة الأفلاطونية الحديثة في العصور القديمة المتأخرة هذه الكينونة بالعقل المنبعث الحاكم ( المدبر) لفلك القمر.
 
الفارابي

كان للكندي تلامذة قلائل، وبالتالي كان تأثيره محدوداً. مع ذلك، جذب التراث للفلسفة الهلنستية بين المسيحيين النسطوريين أبو نصر الفارابي المتوفي 950. إن دور الفارابي في تطبيع التراث الهلنستي منحه لقب "المعلم الثاني"( أرسطوهوالمعلم الأول) واعتبر الفارابي نفسه عضواً في مدرسة الإسكندرية الفلسفية. وكما يخبرنا فإن هذه المدرسة انتشرت من الإسكندرية إلى أنطاكية ومن ثم من مرو وحرَان إلى بغداد. وفي تقليد المدرسة، كتب الفارابي تفاسير تقنية وفلسفية كانت مؤثرة في الفلاسفة المتأخرين. لكن الفارابي فاق معلميه النسطوريين الذين منعوا من لأسباب لاهوتية من دراسة المنطق إلى أبعد من التحليلات السابقة عند أرسطو. مع ذلك، قرأ التلميذ الشغوف أعمالاً أكثر تقدماً، خصوصاً الأبحاث التحليلية المتأخرة. ويكمن إنجاز الفارابي في إحيائه للفلسفة برفضه التصنيفات النسطورية وغير النسطورية التي تخنق الفلسفة، كما يكمن في رؤيته الفعالة للفلسفة، المهتمة بقضايا العصر النقدية، والتي تحلل الدين النبوي، والموسعة للفلسفة السياسية لتشمل الدول الدينية، والمطورة لعلاقة اللغة بالمنطق.

إن الفارابي مثل الفلاسفة المسلمين الهلنستيين الآخرين، اعتقد بأن المعرفة "الحقيقية" هي معرفة برهانية وهي بالتالي تتوفر فقط للخواص الذين لديهم الميل الطبيعي والوقت الكافي ليجدَوا في طلب الفلسفة. فعموم الناس يمكن أن تطمح فقط للجد في طلب العلم بواسطة التصورات. فمؤسسو الأديان أو الأنبياء بالنسبة للفارابي هم فلاسفة بقدر ما تكون معرفتهم برهانية. ويكمن إنجازهم في مقدرتهم على تكييف التصورات الملائمة للعامة كي يسعى العامة (وكذلك الخواص) إلى الأفعال المرشدة للسعادة بالنسبة للجميع. فالدين عندئذ هو محاكاة للفلسفة، والحاكم الأفضل هو الملك الفيلسوف. فمصدر المعرفة الكونية للفلاسفة وللأنبياء هو ذاته.

إن نظرية الفيض عند الفارابي لعلم الكون مستحدثة. وطبقاً للأفلاطونية الحديثة، فالموجود الأول أو الله هو أول لأن هذا الخلق لابد أن يفيض عنه بالفيض أو الإنبعاث المستمر. ومن ثم تولد هذه الانبعاثات انبعاثات أخرى. ويحدد الفارابي (هذه) الانبعاثات بالعقول العشرة وأفلاكها: العقل الأول الذي ليس له فلك؛ و العقول التسعة الأخرى بأفلاكها السماوية، بمعنى أن الفلك الأكثر بعداً، وهو فلك النجوم الثابتة وأفلاك الكواكب السبعة(زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة والشمس والقمر). والعقل العاشر المدبر لفلك القمر هو العقل الفعال وهو نقطة التواصل بين العقل البشري والعقول السماوية. والعقل الفعال هو العلة لانتقال العقل البشري من المعرفة بالقوة إلى المعرفة بالفعل. وتُستمد الخاصة النبوية من الاتحاد الفعلي للنفس النبوية بالعقل الفعال وإن الله ينزل الوحي إلى العقل النبوي عبر العقل الفعال.

إن نظرية الفارابي للدين والنبوة، التي تبناها على الأغلب أتباعه تختلف عن آراء الفلاسفة الدينين. إن رؤية الفارابي (وهي بالفعل مثل رؤية الفلاسفة الهلنستيين الآخرين) هي أن رؤى الفلاسفة الدينين لم تكن برهانية بل جدلية و لا تقدم المعرفة "الحقيقية". وقد كانت نقاط الجدل الأخرى هي اعتقاد الفارابي بالإنبعاث( الفيض) ومطابقتها للجبرية من خلال إلقاء الفاعلية التعليلية على الأجرام السماوية واعتقاده بأبدية العالم .

الرازي

إن آراء الفارابي تناقض بشدة آراء أبي بكر الرازي المتوفى 925 م والذي يعتبر فيلسوفاً هلنستياً مسلماً، مع أن إنجازاته في الطب هي أكثر أهمية. كان أبو بكر مناهضاً عنيفاً للسلطة. إن فلسفته دعوة للمساواة وهي ضد الأرسطوطالية ومضادة للدين. ودعوته للمساواة أنكرت الدور الخاص للفلاسفة وحتى الدور الخاص للأنبياء والقادة الدينين الذي أيده الفارابي. فقد اعتبر أن الدين هو سبب الصراع، و(أن)الأنبياء دجالون و(أن)الوحي خرافة. وناهض تسلسل علم الكون عند الفلاسفة الهلنستيين وبدلاً من ذلك اعتنق نظرية الجوهر عند ديمقريط، التي تخالف نظرية الفلاسفة الدينين. وقد أقر بالوجود الأبدي لله والنفس والمادة والزمان والمكان ودان بالخرافة الصابئية بأن النفس اللوامة ترغب بالمادة وأن الله، رغبة منه بتخفيف شقائها، لذلك خلق العالم، لكنه أيضاً زود النفس بالعقل. وأن العالم سيتلاشى حين تستنير النفس وتستطيع أن تحرر ذاتها من المادة.

إن الرازي كان متسامحاً رغم آرائه المتطرفة مما يشير إلى البيئة المتسامحة للحضارة الإسلامية الكلاسيكية والوسيطة. ومن البديهي، أن لا يحظى الرازي بتلاميذ أو فيما أصبح التركيب الفلسفي عند الفارابي نموذجاً للفلسفة الإسلامية الهلنستية السائد. وقد تبنى الأدباء والأدباء الرفيعي المستوى وحركات دينية الميالة إلى الفكر بين الشيعة مثل الإسماعيلية عناصر هذه التوليفات الفلسفيه.
 
ابن سينا

إن تطبيع الفلسفة الهلنستية بلغ أوجه مع أبي علي ابن سينا المتوفى 1037. يستعرض ابن سينا في سيرة حياته المدهشة تعليمه وأسفاره ومكائد البلاط ودراسة العادات والكتابات ( المؤلفات). كان طفلاً مدهشاً، ولد لأسرة موالية للإسماعيلية. تعلم موضوعات إسلامية تقليدية والعلوم حيث تفوق على أساتذته، مرتقياً إلى دراسة ذاتية لنصوص علمية وفلسفية إسلامية هلنستية متقدمة. وجد ميتا فيزيقيات أرسطو غير مفهومة حتى قرأ كتاب الفارابي عن أهداف ميتا فيزيقيات أرسطو الذي اشتراه بسعر زهيد من حانوت بائع كتب بثلاث دراهم فضية. وكان الحاكم الساماني نوح بن منصور ( الذي حكم مابين976-997) إثر إصابته بالمرض قد دعا الطبيب المشهور ابن سينا الذي لم يتجاوز عمره السابعة عشر سنة. وبعد حصوله على الإذن بتفحص مكتبة البلاط، دخل ابن سينا بناء(يتألف) من غرف كثيرة تحتوي كل منها على أكوام من الكتب حول كل موضوع. تفحص فهرس أعمال القدماء ووجد كتباً لم يكن ليراها ثانية . درسها ابن سينا جميعها بجد واجتهاد. وكما كان يُذكر لاحقاً، فقد فرغ كلياً من تعلم كل ما توفرفي سن الثامنة عشرة وبالتالي لم يتعلم جديداً بعد ذلك ( مع أن معرفته كانت تنضج وتتعمق مع العمر). إن رواية ابن سينا موحية. وتبين أن الفلسفة الهلنستية (قد)تغلغلت في المراكز الإقليمية البعيدة مثل بخارى، كما تظهر الطلب على الكتب الفلسفية، والتحقق من وجود مجموعات غنية من الكتب في المكتبات الخاصة.

وفلسفة ابن سينا، خلافاً oeuvre( لآثار الفارابي ، لا يسودها طابع الفلسفة السياسية بالرغم من خدمته كوزير للعديد من الحكام. وتكمن إنجازاته في أن كتاباته الفلسفية، التي تفوق كتابات الذين سبقوه وأصبحت مراجع للفلسفة المتأخرة في العالم الإسلامي. وأهمها خصوصاً الشفاء(موسوعة العلوم الفلسفية الكثيرة المجلدات) والنجاة والإشارات والتنبيهات. ومساهمات ابن سينا الخاصة لا تعد ولا تحصى، لكن مناقشاته في سياق بيئته الإسلامية حول وجود الله، وخلود النفس الإنسانية، وتحليله للعرفان هامة جداً.

إن وجود الله الذي تمسك به ابن سينا هو تماماً موضوع تابع للميتافيزيقيات( الماورائيات)، التي تبحث في الوجود عموماً وليس موضوعاً تابعاً لعلم الطبيعة الذي يبحث في الموجودات المادية ( يستحضر نقاش أرسطو لعلم الكون حول أن المحرك الأول موجود في علم الطبيعة). إن بحث ابن سينا حول الوجود الإلهي مستمد من التمييز الذي يقوم به بين الماهية والوجود: فإما أن توجد الأشياء، أو هي محتملة الوجود، أو أنها مستحيلة( مثل الحصان أو وحيد القرن). إن ماهية شئ ما ، بمعنى ذلك الذي يجعل الشئ كما هو( مثلاً، (ماهية مثلث ما هو سطح مغلق بثلاثة خطوط مستقيمة"؛ وماهية الإنسان "(جماد وحيوان وعاقل)"لا يقتضي بذاته وجود ذلك الشئ. بل إن وجوده هوالنتيجة لفعل علة ما بواسطتها يمكن أن يتحول احتمال وجود هذا الشئ إلى وجود فعلي. وكذلك تقتضي هذه العلة ذاتها علة ما من أجل وجودها بمفردها وبالتالي فعلها. وهذا يؤدي إلى انتكاس لانهائي، الذي يمكن أن ينتهي إلا مع وجود كائن ما، الذي يعتبر وجوده جزءاً من ماهيته. وهذا بالضرورة هو واجب الوجود أو الله... كل كائن آخر هوعرض لأن وجوده مستمد من شيء آخر. هذا الرأي بأن الله هو واجب الوجود، مع أنه متفق مع الوحي الإسلامي، فهوغير متفق مع رأي الفلاسفة الدينين أو التقليديين حول الله.

في علم النفس، استنبط ابن سينا" جدلية الإنسان المعلق"، جدلاً حول وجود النفس الإنسانية الذي يشبه الشك المنهجي الديكارتي" أنا أفكر فإذاً أنا موجود".وعلى غرار شك ديكارت المنهجي حيث قد يشك الإنسان بكل المعرفة ماعدا وجوده، ويعرض ابن سينا نموذجاً حيث يوجد الإنسان الكامل معلقاً في الهواء بطريقة تجعله تماماً عديم الإحساس أو الإدراك. حتى ولو أنه ، في هذه الحالة، من عدم الإحساس لا يستطيعأن يحس بجسده ويفتقر تماماً لأي معرفة مكتسبة من السابق، مع ذلك يجب أن يؤكد وجوده هو، و هذا في رأي ابن سينا مساو لوجود نفسه. ويقتضي هذا الزعم وجود النفس الإنسانية بصفتها كينونة منفصلة عن الجسد برغم ارتباطها الوجودي به. هذه النفس حاكمة للجسد وتتخذ الجسد كأداة لتحقيق أهدافها. إنها لا تفنى مع الجسد بل إنها باقية لتنال الثواب أو العقاب على أفعالها الدنيوية.

يذكر ابن سينا في أعماله بأنه عبر بصراحة عن آرائه الفلسفية الخاصة في كتابه الفلسفة الشرقية. هذا الكتاب صعب الإدراك بالفكر. وهو غير مفصل الشرح بكليته، ربما لم يكن متوفراً بكامله في العصور الوسطى ( وربما لم يكمل أبداً!). مع ذلك كانت الفلسفة الشرقية ومازالت موضوعاً الشك والجدل. ويعتقد بعض الباحثين بأن التسمية "شرقية" تعكس مشاعر معادية لآراء فلاسفة بغداد المسيحيين الهلنستيين الذين كانوا من وجهة نظر ابن سينا غير جديرين بالإضافة إلى كونهم جغرافياً من الجهة الغربية لموطن ابن سينا. إن نقطة الخلاف الرئيسية معهم هي اعتقاده بخلود النفس الإنسانية. كذلك ارتبط موضوع النفس الصوفية. وإن أحد مساهمات ابن سينا في الفلسفة الإسلامية الهلنستية هو تعامله مع العارفين الصوفيين وممارساتهم وحالاتهم النفسية كموضوعات للخطاب الفلسفي. بهذا التعامل يخلق ابن سينا مرجعية لكتاباته الرمزية. لقد كانت هذه الكتابات مؤثرة جداً وفسرت بشكل موسع، وتقوم بدور هام في تشكيل الفلسفة الباطنية.

الفلاسفة الهلنستيون الإسلاميون الأندلسيون

كذلك كان الفلاسفة الهلنستيون الإسلاميون فعالين في العالم الإسلامي الغربي، لاسيما في أسبانيا القرن الثاني عشر. كان أبو بكر ابن باجة المتوفى 1139 الشارح لأعمال المنطق عند الفارابي مهتماً بالفيزياء وعلم النفس. فقد كان رفضه للعلاقة الأرسطوطالية بين القوة الدافعة، مقاومة الوسيط، وسرعة العنصر هذا الرفض كان مؤثراً في ابحاث الحركة في الغرب اللاتيني. وفي كتابه نظام الحكم المتفرد كان ابن باجة متشائماً حول دور الفيلسوف السياسي في المجتمع، بل بالأحرى دور الفيلسوف الملك أو مستشار الحاكم كما يتصوره الفارابي، واعتقد ابن باجة بأن على الفلاسفة في الدول غير الفاضلة في عصره أن يعزلوا أنفسهم قدر الإمكان عن المجتمع وينشدوا السعادة في الاتحاد "بالعقل الفعال". ففي اتحاد من هذا القبيل، جزم ابن باجة، بأن عقل الفرد يفقد سماته الخاصة. وبالتالي يرفض ابن باجة وجهة نظر ابن سينا بخلود النفس لأن النفس في رأيه كما يقال، نفس الفرد تفنى بموت الجسد.

لقد كان تلميذ ابن باجة، أبو بكر ابن طفيل المتوفى 1185-1186 طبيباً للحاكم الموحدي أبي يعقوب يوسف الذي حكم مابين 1136-1184 وهو مؤلف الرواية الفلسفية حي بن يقظان، وهي كما يعتقد نموذج دانيال دافوس في قصته روبنسن كروسو. وسمي هذا الكتاب على اسم أعمال ابن سينا الرمزية و حتى أنه صيغ بطريقة تكشف أسرارفلسفة ابن سينا الشرقية. إن ابن طفيل، في مقدمته، ناقد لفكرة السعادة عند ابن باجة من خلال الاتحاد "بالعقل الفعال"، موافقاً بالمقابل تسويغ ابن سينا للباطنية. ويقر بدور الحقائق والأساليب العقلانية لكنه يعتقد بأن التجربة الروحية تتفوق عليها. ويوظف مفاهيم صوفية عديدة بما فيها "الرؤية المباشرة" و " التجربة الروحية" أو الصفة "الولوية. وتصف الرواية التعلم الذاتي لحي ابن يقظان الذي يحط على جزيرة في المنطقة الحارة ( أو نشأ نشأة ذاتية ) وربته ظبية. وبينما هو ينمو ويكبر يصبح قادراً من خلال التأمل أن يستخلص الحقائق الفلسفية ويستمد الأفعال التي ترشد إلى السعادة المطلقة . وتقوده ممارساته الزهدية وذكرياته الصوفية إلى الرؤية المباشرة ومن ثم إلى الفناء الروحي في الله. ثم يلتقي حي برجلين أولهما أبسال الذي يأتيً إلى الجزيرة بحثاً عن الوحدة، ثم سلمان القادم من جزيرة قريبة يتبع سكانها ديناً نبوياً (كلٌ من أبسال وسلمان شخصيات في عمل رمزي آخر لابن سينا!). يميل أبسال إلى الباطنية والتفسير الرمزي للوحي فيما صديقه سلمان ينحو نحو الظاهر. حي وأبسال يذهبان إلى الجزيرة القريبة التي يحكمها الآن سلمان، ويحاول حي أن يعلم سكانها حكمته. وتبوء محاولته بالفشل ويقر أن الحقائق الباطنية والفلسفية ليست تهم الجميع وأن الدين الحرفي يفي بحاجة الأغلبية. وهكذا يبدو أن ابن طفيل يقبل تشاؤم ابن باجة فيما يتعلق بدور الفيلسوف السياسي بينما يرفض ازدراءه للباطنية.

لقد كان ابن طفيل مسؤولاً عن تعريف الحاكم أبي يعقوب الشاب أبي الوليد ابن رشد ( المتوفى1198). ينحدر ابن رشد من عائلة فقهاء . وأصبح هو نفسه فقيهاً مشهوراً، ومؤلفاً لكتاب عن الفقه المالكي. ونظراً لإعجاب الحاكم أبي يعقوب بالفيلسوف الشاب فقد كلفه بكتابة شروح لأعمال أرسطو. واستمر ابن رشد في خدمة هذا الحاكم وولده يعقوب بن منصور ( الذي حكم ما بين1184-1199). و عين قاضياً لإشبيلية، ثم طبيباً للحاكم وقاضي قضاة قرطبة فيما بعد. وعانى في أواخر حياته من الإضطهاد والنفي والإبعاد ربما بسبب معاناة يعقوب من الصعوبات السياسية، لكنه استدعي من جديد إلى بلاط الحاكم قبل موته مباشرة. وسرعان أن ترجمت ونقلت شروح، ابن رشد إلى الغرب اللاتيني حيث أثرت إلى حد كبير، مكسبة إياه لقب "الشارح" الأكبر. قدَر ابن رشد أرسطو كثيراً واعتبره معصوماً. وهكذا كان ابن رشد في شروحه على الأغلب حرفياً يبحث في استرداد أرسطو من ابن سينا وإلى حد ما من قراءات الفارابي بأفلاطونيته الحديثة. ومن غير المدهش ألا يتمسك ابن رشد، بوجهة نظر ابن سينا عن خلود النفس. وفيما كان تأثير شروح ابن رشد في العالم الإسلامي قليلاً، فإن كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال وكذلك رده على الغزالي بعنوان تهافت التهافت الفلاسفة بدورهام.. ففي عمله الأخير(تهافت التهافت) يرد على كتابَ الغزالي تهافت الفلاسفة نقطة نقطة ويدافع عن الفلسفة الإسلامية الهلنستية.. وفي فصل المقال يتفحص ابن رشد المكانة الشرعية لمتابعة الفلسفة الهلنستية في العالم الإسلامي. ويؤكد ابن رشد في مناقشة مطولة وفي غاية الإبداع بأن الفلسفة تدرس العالم بشكل أساسي وتتأمل في إشارات خالقه.. بما أن التفكرقد أمر به الوحي فيجب بالتالي أن ينفذ بأفضل طريقة ممكنة أي بالفلسفة، التي هي علم برهاني . مع ذلك، فليس كل إنسان مؤهلاً ليضطلع بالدراسة الفلسفية وبذلك ليحصل على معرفة برهانية بالله والخلق. بل بما أن الإسلام يقر بالإختلافات في القدرة البشرية، فإنه يفسح المجال لمعرفة برهانية بلاغية أو جدلية أو لهذه القضايا. لا تتناقض المعرفة البرهانية مع الوحي. لكن بما أن الوحي يتوجه إلى سائر الناس بغض النظر عن مقدراتهم الفكرية، فقد يبدو معناه الظاهر مناقضاً للحالة "الواقعية" للقضايا . إن خلافاً ظاهراً من هذا القبيل يحله بالتفسير الرمزي للوحي العلماء، أولئك الذين تعمقوا في العلم أي الفلاسفة المسلمون الهلنستيون. يجب أن يكون تفسير الوحي الرمزي متاحاً فقط لأولئك المؤهلين لفهم مغزاه الحقيقي. وظهرت الخلافات عندما قدم الفلاسفة الدينيون مثل الغزالي كالغزالي تفاسير رمزية مضللة للعوام الذين لم يكونوا قادرين على فهمها.

بعض الفرق الإسلامية، والإسماعيليون على الخصوص عدلوا الفلسفة الهلنستية الإسلامية في أنظمتهم العقائدية. وهذا واضح في رسائل إخوان الصفاء (حول القرن العاشر الميلادي) المجهولي الهوية، هذه الرسائل التي انتشرت وقرئت بشكل واسع وواضح في أعمال المفكرين الفاطميين الإسماعيليين( في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين). مع ذلك، فالموجود الأول أو العقل الأول على الخصوص هو نتيجة لأمر الله وليس كائناً فيضياً. فضلاً عن ذلك، وطبقاً لمبدأ التطابق بين العالمين الكبير والصغير، اعتقد الإسماعيليون أن التسلسل الكوني للعقول والأنفس والأفلاك ينعكس في التسلسل الديني -السياسي للإمام وممثليه في المجتمع.

الفلسفة الباطنية

تمثل فلسفة ابن سينا ذروة الفلسفة الإسلامية الهلنستية في العالم الإسلامي الشرقي. وكان وما يزال تأثيرها بارزاً على الفترات اللاحقة من التاريخ الفكري الإسلامي. والشاهد ( التوضيحي الوحيد، ولوأنه هام جداً، هو أن فهم الغزالي للفلسفة يستقي من ابن سينا وبالتالي فإن نقده هو نقد فلسفة ابن سينا. مع أن الغزالي بالنسبة لنقده لم يتبن فقط أسلوب ومصطلحات ابن سينا بل ربما بدأ عن غير قصد استحواذها في فلسفة دينية ( يعتقد بعض المفسرين الحديثين بأن الغزالي بالتالي لم يكن قادراً على الهروب من جبرية خصومه!). وهكذا فلغة الفلسفة الدينية الفكرية بعد الغزالي مفعمة بمفاهيم ومصطلحات ابن سينا. كما ضمَن الغزالي منطق ابن سينا في الفقه السني، مدعياً بأنه كان وسيلة محايدة. مع ذلك، كان التزام الغزالي الخاص بالباطنية الصوفية بصفتها الطربق إلى المعرفة "الحقيقية" والسعادة النهائية.

كذلك كان شهاب الدين السهر وردي المتوفى 1191مؤسس الفلسفة "الإشراقية" ناقداً لفلسفة ابن سينا، التي وصفها "بالمشائية". وبخلاف ذلك فقد وصف الفلسفة الإشراقية بأنها مستمدة من أولئك الذين كانوا يسافرون على درب الله مثل أفلاطون وقبله هر مس، "أبو الحكماء" وأنبادوقليس وفيثاغورث وأغاثا أداميون وآخرون بالإضافة إلى حكماء الفرس القدماء جاماسب وفارشادشور وبزرجمهر إلخ ( لكن غير المجوس الآثمين ولا المانويين و المشركين الآخرين)، وكذلك أسلافه الصوفيين المباشرين أمثال أبي يزيد البسطامي ومنصور الحلاج وآخرين. وهكذا تحاول الفلسفة الإشراقية ملاءمة وتطبيع التعليم) الصوفي والزرداشتي والهرمسي والغنوصي في الفلسفة الإسلامية الهلنستية.

ترتكز الفلسفة الإشراقية على كل من العقل الإستطرادي ( وبالتالي فالفلسفة المشائية هي فلسفة أساسية)، والتجربة الروحية والرؤية المباشرة. إنها تستخدم الرموز وخصوصاً رموز النور والظلمة. علم الكون الإشراقي هو علم ماوراء)طبيعة النور؛ وتتسم موجوداته بأن نورها إما ذاتي الوجود أو عرضي ودرجة ظلمة النور ( أو غيابه). إن الله ذاتي الوجود " نور الأنوار"(وهو) الذي ينير ويسبب الوجود لسائر المخلوقات الأخرى. وإن عدداً غير محدود من الملائكة النورانيين ذوات الأنوار الذاتية الوجود هم الواسطة بين نور الأنوار وظلال العالم المادي. و بخلاف العقول العشرة للفلسفة الإسلامية الهلنستية فالفلسفة الإشراقية لا تحدد عدد الوسائط النورانية. فالسعادة المطلقة تكمن في السمو من العالم المادي إلى العالم الروحاني عبر التجارب الروحية. فالنفوس غير القادرة على الوصول إلى العالم النوراني تبقى معلقة في "عالم الصور" حيث تمر في "رؤى" الجنة والنار.

لقد اعتقد السهر وردي بأن العالم لا يمكن أن يخلو أبداً من معلم متنور. وهذا الرأي مشابه للأراء الشيعية بضرورة وجود المرشد الديني (الإمام). هذه الحقيقة بالإضافة إلى التوجه الفارسي لعمله لغوياً وفكرياً(لقد كُتب عددٌ هامٌ من مؤلفات السهروردي باللغة الفارسية)، تفسر استمرار الفلسفة الإشراقية في إيران وغيبتها في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي.

إلا أن فلسفة باطنية من نوع مختلف قدمها الصوفي ابن عربي المتوفي 1240 وتلامذته خصوصاً صدر الدين القناوي المتوفي. إن عمل ابن عربي ينتمي إلى دراسة التقليد الباطني في الإسلام. مع ذلك، أدت آراؤه دوراً هاماً في الفلسفة الإسلامية المتأخرة، وخصوصاً مبدأ "وحدة الوجود". وهذا المبدأ بينما لم يوضع بصيغة واضحة تماماً في مؤلفات ابن عربي، يعتبر أن هناك موجوداً وحيداً فقط،( هو ) الله، وكل شيء آخر هو في تحول دائم، ويوجد من خلال الله (وتُستمد بعض مبادئ عقيدة التحول الدائم من الفلاسفة الدينين الأشعريين العرضيين).

لقد تأسست الدولة الصفوية في إيران عام 1501 ، وأُعلن المذهب الإثنا عشري الشيعي مذهباً رسمياً للدولة. وتبع ذلك نهضة ثقافية وفكرية، وضمن هذه الحركة الواسعة أنعش فلاسفةُ "مدرسة أصفهان" دراسةََ الفلسفةَ الإسلامية الهلنستيةَ وبشكل أساسي المير داماد المتوفى 1630 والملا صدرا المتوفى 1640 . والتقليد الذي أسسوه استمر ويُدرس اليوم في إيران. إن مصادر هذه الفلسفة هي فلسفة دينية كما فُسرت في التقليد الشيعي لدى نصير الدين الطوسي وفلسفة ابن سينا الإسلامية الهلنستية والفلسفة الإشراقية للسهروردي ومبدأ "وحدة الوجود" لابن عربي.

يعتبر الملا صدرا الفيلسوف الأكثر أصالة لهذه المدرسة، لاسيما بحسب نظرياته الإبداعية لأولوية الوجود والحركة المادية. وقد تمسك معلمه المير داماد برأي تنويري لأولوية الماهيات ( التي تجعل الشيء أن يكون كما هو)، لأن ( في) الرأي التنويري، الماهيات تحدد نظام الوجود وترتيبه. بينما على العكس يجادل صدرا بأن الماهيات هي مجردات عقلية وبالتالي فهي خيالية، و(أن)الوجود هو وحده "الحقيقي". ويقتضي هذا بأن الفهم العقلي، الذي هو بالضرورة للماهيات، لا يمثل الوجود الحقيقي للأشياء الموجودة، وبالتالي فإن المعرفة "الحقيقية"، التي هي معرفة الوجود، لها مصدر نظري آخر، أي التجربة الروحية المباشرة. قبل الفلاسفة المسلمون الهلنستيون بنظرية الملا صدرا حول الحركة الماديةالتي تضيف إلى، نظرية الحركة لأرسطو، هؤلاء الفلاسفة الذين اعتقدوا بأن التغيير إما نوعي مثل اللون أو كمي مثل الحجم، أو مكاني(حيزي) مثل الحركة، وأن الأساس (أو المادة) الخاضع للتغير فعلي جار يبقى ثابتاً. وأكد على العكس بأن الأساسات تتغير بالفعل، لأن الكائنات هي دائماً في طور التطور نحو الكمال الأفضل. فالتحول مستمر وهو سمة الطبيعة الحقيقية للوجود. وهكذا فالعناصر البسيطة تتطور إلى صيغ جامدة أكثر تعقيدا ًومن ثم إلى صيغ حية ومنها إلى صور أخرى من الكائنات الأسمى، نفسانية في عودة إلى العالم الروحاني حيث يتكون الوجود.

العلوم

كما الفلسفة الإسلامية الهلنستية، استلهمت دراسة العلم في الحضارة الإسلامية من حب التعلم، الذي بدأ بترجمة النصوص من اليونانية والسريانية بالإضافة إلى نصوص من لغات أخرى، خصوصاً من السنسكريتية والفارسية والبهلوية. ففي ذروتها انخرط أفراد من جميع الأعراق والطوائف الدينية المختلفة في البحث العلمي وبالتالي في جميع حقول العلم: العلوم الرياضية والعلوم الفيزيائية وعلوم الحياة بما فيها الطب و"علوم الحياة الكيميائية والفلك... إلخ. وربما وصف هذا البحث بشكل واسع بصفة المعرفة العلمية الموسعة من خلال الإستقصاء وحل الألغاز والمعضلات. هذا لايعني بأن العلم كان ثابتاً أو يفتقر إلى الأصالة. وقد اقتضى الموقف النقدي الذي عبق به التعلم الإسلامي في القرون الوسطى والكلاسيكية اختباراً لمقدمات النظريات العلمية الأساسية. وحيثما تقتضي الضرورة طرحت الاختراعات النظرية والتطبيقية، حتى أنها ذهبت أبعد من ذلك لتأسيس مبادئ جديدة أو تنقل المناهج العلمية المتلقاة. وفضلاً عن ذلك، أبرزت بيئة الحضارة الإسلامية قضاياها الخاصة التي شغلت عقولَ علمائها. كما ساهمت العوامل المادية في البحث العلمي: تأسيس المؤسسات الخيرية وخصوصاً الأكاديميات (مثل بيت الحكمة المذكور أعلاه) والمكتبات و المشافي والمراصد الفلكية ومراكز الرعاية التي ازدهرت حتى مع تشتت الإمبراطورية الواحدة وتأسيس دول وإمارات محلية. وظف معظم الرعاة العلماءَ كفلكيين أو أطباء. على كل حال، كانت ميادين العلم متداخلة إلى حد أن حتى الفلكي مثلاً يحتاج لمعرفة الفلك، ولايستطيع الإنسان معرفة الفلك من دون أن يكون متضلعاً في الفلسفة الرياضية والطبيعية، والتي بدورها تحتاج إلى إطلاع على فلسفة علم الكون الإسلامية الهلنستية. مع مرور الزمن، ظهر دور علمي جديد، ذلك الذي هو دورموقت المسجد المسؤول عن ضبط أوقات الصلاة بالإضافة إلى تحديد بداية أشهر التقويم الإسلامي القمري.

إن مساهمات الحضارة الإسلامية العلمية هائلة. مع ذلك في هذه المرحلة من معرفتنا بالمهمة العلمية للحضارة الإسلامية، مع الاكتشاف الستمر لمخطوطات جديدة ونقص التحليل للأعمال المعروفة، فإن الملاحظات بإنجازات العلماء أو السمة العامة للعلم التي لا بد أن تبقى إلى حد ما تجريبية (هذه حقيقة بالنسبة لجميع الميادين الفكرية المطبقة في إسلام العصرين الكلاسيكي والوسيط. لذلك يجب أن تعتبر الدراسة التالية للعلم في عالم الحضارة الإسلامية للعصرين الكلاسيكي والوسيط كمحاولة مبدئية. وفضلاً عن ذلك فهي دراسة بيانية أكثر منها استقصائية .

العلوم الرياضية

إن ملامح مساهمة العلم الإسلامي في العصرين الكلاسيكي والوسيط في الرياضيات المعاصرة باقية حية في استخدامنا المستمر لمصطلحات "الأرقام العربية" "واللوغارتيمات" والجبر". تستعرض هذه المصطلحات دراسة نظرية العدد وعمليات الحساب وتأسيس الجبر كمادة رياضية مستقلة. بل وفوق ذلك انشغل علماء الرياضيات للحضارة الإسلامية وبالهندسة الفراغية والمستوية والمثلثات بالإضافة إلى حل المعادلات من الدرجات العليا.

إن أهمية "الأرقام العربية" لايمكن أن تكون مبالغاً فيها. فهذه الأرقام وطرق حسابها الأساسية مألوفة الآن في كل جزء من العالم. فاليوم من المستحيل أن تتصور أي عملية حسابية لاتستخدم هذه الأرقام أو عمليات الحساب المرتبطة بها. ومع ذلك فهذه الأرقام نشأت في الواقع في الهند وبالتالي عرفت "بالأرقام الهندية" في العالم الإسلامي. وهي تؤلف النظام العشري الذي نستخدمه اليوم، المكون من تسعة أرقام (من 1حتى 9) (ورقم الصفر (إن اشتقاق كلمة زيرو "مستمد عبرالفرنسية والإيطالية من كلمة الصف بالعربية). وقد استخدمت هذه الأرقام مقترنة برمزية قيمتها المكانية مثل ذلك 1367 فهو يساوي 1×10 3+3×10 2+6×10 1+7×10 0 (معنى ذلك أن قيمة كل رقم تعتمد على موقعه في العدد، و كل موقع في العدد يشيرإلى قيمة ما في قوى العشرة). ومن المحتمل أن تكون هذه الأرقام قد قدمت إلى الحضارة الإسلامية مع ترجمة الأعمال الفلكية السنسكريتية في عهد الخليفة العباسي المنصور . قبل هذا، استخدمت الرياضيات الهلنستية نظاماً مضطرباً شبيهاً بنظام الأرقام الروماني بالإضافة إلى النظام الستيني لقياس الزوايا ذي الأصول البابلية. في النظام الستيني قدمت الأرقام على أساس الستين، الشبيه باستخدامنا المستمر للدرجات والدقائق والثواني ( ستون دقيقة تساوي درجة واحدة، وستون ثانية هي دقيقة واحدة إلخ. لقد استخدم النظام الستيني أساساً في الفلك. إن البحث في إنجازالعمليات الحسابية الجمع والطرح في نظام من هذا القبيل، إن لم نقل شيئاً عن الضرب والتقسيم ، هو بالفعل مرعب.

قام محمد الخوارزمي المتوفى بعد 847 بأول بحث منظم لنظام القيمة العشري. وكان الخوارزمي عالماً نشيطاً في الرياضيات والفلك وكان عضواً في بيت الحكمة. في رسالته في الحسابات بالأرقام الهندية، يعالج العمليات الحسابية الأساسية في الجمع والطرح والضرب والتقسيم وكسور النظام الستيني واستنتاج الجذور التربيعية. مؤخراً أوجد علماء رياضيون مثل أبي الوفا البوزجاني المتوفى 997-998 وأبي الريحان البيروني المتوفى بعد 1050 وعمر الخيام المتوفى نحو 1131م ، والمعروف أكثر بأنه شاعر، أوجدوا عمليات لاستخراج الجذور الأعلى. وأحدث اختراع أبي الحسن الإقليدسي للكسور العشرية تقدماً مهماً في النظام العشري وذلك بين 952-953. من الجدير بالأهمية، أن هذا الاختراع يبدو بالنتيجة أنه فُقد حتى أعاد ابتكاره غياث الدين الكاشي المتوفى 1429 أضاف دلالة تشير إلى الفاصلة العشرية. كما هيأ الأوقليدسي أساليب العمليات الحسابية بالورق والحبر بدلاً من اللوح الذي يكتب عليه بالطبشور. وعمم معاصره البوزجاني بشكل أوسع النظام العشري مع كتابه المقرر عن الحساب لموظفي الحكومة.

كما كان الخوارزمي عالم الجبر المشهور الذي وضع مصطلحاً عربياً جديداً هو الجبر والمقابلة، الذي هو أصل مصطلح "الجبر". فالعمليات الحسابية والهندسية لإيجاد المجاهيل استنبطت سابقاً في رياضيات البابليين والهندوس واليونانيين. واختراع الخوارزمي كان لجمع هذا كله معاً وإيجاد ما يسمى الجبر . وتعود عملية "الجبر" إلى حذف الكميات السالبة. مثال ذلك في المعادلة 2س +4=9-3س، فالخطوة للحصول على 5س+4=9 تسمى الجبر . والخطوة التالية للمقابلة (الموازنة) هي إنقاص الكمية الموجبة على كل من طرفي المعادلة والنتائج هي( الناتج هو) 5س=5. وبحث الخوارزمي في عمليات حل المعادلة من الدرجة الثانية . وأشار إلى التطبيقات العملية لطريقته في حل مسائل الإحصاء بالإضافة إلى حصص الميراث (وهي معقدة جداً في الفقه الإسلامي) . وقد اخترع علماء الرياضيات المتأخرون مثل أبي بكر الكرجي المشهورحوالي عام 1000 والسموأل بن يحيى المغربي المتوفى عام 1180 وعمر الخيام، اخترعوا طرقاً عمليات لحل معادلات من الدرجة الأعلى.

والرياضيات الأكثر تقدماً وجدت في علم الفلك. هنا نجد تطورات مهمة في الهندسة(خصوصاً في الهندسة الفراغية) والمثلثات والعمليات الحسابية . والكتاب البارز لعلم الفلك اليوناني هو المجسطي لبطليموس، والمكرَس عموماً لتوقع مواقع الكواكب . استخدم بطليموس الهندسة الفراغية بالإضافة إلى علاقة مثلثاتية تدعى الوتر،(الزاوية المعلومة توجد طول الوتر المقابل لهذه الزاوية لدائرة نصف قطرها ستون وحدة و يضع لهذا الوتر جدولاً. مع ذلك فإن استخدام هذه العلاقة مضطرب. ومن ناحية أخرى استخدم علماء الفلك الهنود علاقة الجيب المشهورة وحسبوا قيمتها لكل 3درجات. وفي البيئة الإسلامية، مرة أخرى دمج التراث اليوناني والهندي لكي ينشئ مع بداية القرن العاشر، العلاقات المثلثاتية الحديثة الجيب وجيب التمام والظل وظل التمام والقاطع وقاطع التمام بصفتها نظرية إضافية للجيب وقانون الجيب. و أخذت المثلثات مكانتها الحقة لدى العالم الفلكي نصير الدين الطوسي( المتوفى1273) لهذا الموضوع مستقلاً عن أي إرتباط بالفلك . وبمعزل عن اكتشاف هذه العلاقات، عمل علماء الرياضيات المسلمون بدأب لإنتاج جداول على درجة عالية من الدقة، تتناهى إلى درجة قصوى في جدول الجيب الذي أنتجه علماء القرن الخامس عشر الفلكيون في مرصد سمرقند ، والذي يحسب قيمة كل دقيقة وتبلغ دقته إلى درجة بالنسبة لنظام 1- 700مليون

بالإضافة إلى المسائل الفلكية، طبق علماء الرياضيات علم المثلثات الفراغية لحل مسائل معينة تتعلق بالممارسات الإسلامية الطقسية أي إيجاد اتجاه الصلاة (القبلة)، إلى مكة من أي نقطة على الأرض وتحديد أوقات الصلاة المرتبطة بأطوال الظل وأوقات بزوغ الفجروالظهر وغروب الشمس. وقد حل علماء الرياضيات المسألة الأولى مسبقاً في القرن التاسع. ويعتقد بأن ابن يونس المتوفى عام 1009العالم الرياضي وعضو دار العلم في القاهرة كان الأول في حل المسألة الأخيرة (مسألة أوقات الصلاة) بصورة نظامية، ومن أجل ذلك جمع جداول لخط العرض (الذي تقع عليه) القاهرة . محمد الخليلي العالم الرياضي في القرن الرابع عشر الذي كان موظفاً ناظماً للوقت في الجامع الأموي في دمشق، ذهب أبعد من ذلك في جداوله لحل هذه القضايا وقضايا أخرى ً. من الجدير بالأهمية بأن جداوله بالنسبة للقبلة) القبلة هي لكل درجة ممكنة لخطوط الطول والعرض، في حين أن جداوله الزمنية للصلاة هي وفق خط العرض لمدينة دمشق.

العلوم الفيزيائية

في العلوم الطبيعية، اشتغل العلماء المسلمون في مسائل الفلسفة الطبيعية والبصريات والفلك. وقد جرت أبحاث موسعة في الفلسفة الطبيعية (التي تركز على بنية المادة والزمان والمكان والحركة) بين الفلاسفة الدينين والفلاسفة المسلمين الهلنستيين. وأيد الأولون (الفلاسفة الدينيون) وجود الذرة والفراغ . فضلاً عن ذلك كانوا مؤيدين لنظرية الحركة بالدفع . إن آراء من هذا القبيل كانت في تضاد حاد مع الفلسفة الطبيعية اللااأرسطوطالية. لذلك فإن هاتين المجموعتين انشغلتا بتفحص وتخطئة النظام "الآخر". ومع ذلك، فربما قامت نظرية الحركة عند الفلاسفة الدينين بدور ما في صياغة ابن سينا لنظريته الحركة "الجبرية" "والطبيعية" غير الأرسطوطالية. وعلاوة على ذلك، رفض أبو بركات البغدادي المتوفى بعد 1165 النظرية الأرسطوطالية للزمان والمكان واعتقد أيضاً بأن الفراغ ممكن في ظروف معينة. وأخيراً وكما ذكر آنفاً، رفض ابن باجة الجانب الأساسي للعلم الحركي الأرسطوطالي، يعني صياغة أرسطو للعلاقة بين القوة والمقاومة ومعدل السرعة.

بالنسبة للعلماء الهلنستيين والمسلمين الأوائل، كانت علوم البصريات اختباراً رياضياً لأشعة الضوء عندما تنتقل أو تنعكس عبروسائط متنوعة، بما فيها عدسات ومرايا من أشكال مختلفة. واستنبط هذا الاختبار أعمال أقليدس وبطليموس و أيد نظرية الرؤية القائلة يتدفق مخروط من"الأشعة المرئية" من العين إلى العنصر المرئي. وهناك نوع مختلف من الرؤية صاغه الفلاسفة الطبيعيون الأرسطوطاليون (بمن فيهم ابن سينا وابن رشد) في بحثهم للبصيرة. فبالنسبة لهم، الرؤية هي استقبال العين "لشكل" العنصر المرئي . ونوع ثالث من الرؤية صاغه مؤلفون في المجال الطبي مثل جالينوس تلامذته (بمن فيهم المترجم حنين بن اسحق) معتقدين بأن كما تنبثق الأشعة البصرية من العيون، يتحول الهواء إلى وسيلة للرؤية. ولذلك، ففعل الرؤية هو نتيجة لاتصال "الوسيلة" بالجسم المرئي. وفي القرن الحادي عشر، انتقد العالم الرياضي الحسن بن الهيثم المتوفى 1040 في كتابه البصريات نظريات أسلافه وأحدث انقلاباً في الرياضيات البصرية. وأكد بأن البحث في العلوم البصرية"يحتاج إلى دمج العلوم الطبيعية مع العلوم الرياضية"، وهكذا استبق أحد المجالات الأساسية البحث المنهجي للثورة العلمية وهي الفيزياء والرياضة في القرن السابع عشر. فضلاً عن ذلك، أقرابن الهيثم بأن أي بحث في البصريات يجب أن يتضمن بحثاً في الرؤية و بناء على ذلك لابد أن يبحث في علم النفس للإدراك البصري.

منهجياً،( إن) كتاب ابن الهيثم هام جداً لما فيه من مفهوم واضح واستخدامه التجربة لإثبات الخواص المعينة للضوء وذلك يوضع حالة ما تحت المراقبة حيث تختلف المعايير المعينة. فيما يخص الرؤية، فهو يرفض فرضية الشعاع البصري( الأشعة المتدفقة من العين إلى العنصر المرئي) مفضلاً إعتماد فرضية الفلاسفة الطبيعيين ( الرؤية هي تلقي العين لصورة العنصر المرئي). و إن إنجاز ابن الهيثم هو أنه عكس اتجاه الأشعة البصرية لعلماء الرياضيات وبذلك جعل صيغ الفلاسفة الطبيعيين صيغاً رياضية. ومما يبعث على الغرابة أنَْ كتابه البصريات لا يبدو أنه ترك أثراً في العالم الإسلامي حتى القرن الثالث عشر، لولا ما قام به كمال الدين الفارسي المتوفى قرابة 1320 من شرح (لكتاب)البصريات. في هذا العمل صاغ الفارسي شرحاً لشكل وألون قوس قزح الأساسية والثانوية على أساس الانكسار والانعكاس في قطرات المطر. وبشكل مستقل تماماً توصل في أوربا الوسيطة تيودرك من فراييها المتوفى 1310 إلى صيغة مشابهة و متزامنة و تقريباً.

كذلك توسعت وجهة نظر ابن الهيثم التحليلية لتشمل الفلك حيث كان مرة ثانية محللاً للنماذج الرياضية لحركة الكواكب وافتقارها إلى المطابقة مع الفيزياء. فالفلك كان علماً رياضياً تقنياً يرتكز أساساً على المجسطي لبطليموس، مع أن الأعمال الفلكية السنسكريتية ترجمت إلى العربية في القرن الثامن . فالفترة الفلكية اللاحقة في الحضارة الإسلامية في العصرين الكلاسيكي والوسيط تتكون من النظرية والرصد على السواء. فتجارب الرصد لم يقم بها الفلكيون فردياً فحسب بل كانت تنفذ أيضاً في مؤسسة المراصد الفلكية- هذه المؤسسة هي إحدى مساهمات الحضارة الإسلامية في العلم. أسسها وأنشأها الخليفة المأمون في بغداد في القرن التاسع. وكان مرصد بغداد مزدحماً بالفلكيين الكثيرين الذين كانوا مسؤولين عن مراجعة جداول بطليموس الفلكية على أساس تجارب رصد حديثة. وجمعت المحصلة في جداول فلكية مختبرة. لم يكن مرصد بغداد إلا واحداً من المراصد العديدة التي أنشئت في العصرين الكلاسيكي والوسيط الإسلاميين. وتشمل المراصد الأخرى مرصد مراغة الشهير في القرن الثالث عشر الذي كان بإشراف نصير الدين الطوسي ومرصد القرن الخامس عشر أولغا بيغ في سمرقند، حيث جمعت جداولهما الفلكية. وقد بلغت دقة هذه المراصد إلى درجة أن كاتباً حديثاً هتف متعجباً من أن الفلكي تايكو برايي استطاع أن يكون تركياً بسهولة!(هذا) وأن تأثير تجارب الرصد الفلكية العربية يبقى في أسماء النجوم وقيد الاستخدام اليوم، حيث الكثير منها استمد من العربية باعتبارها المصطلحات الفلكية الشائعة مثل" نادر"" أزيموس"" وزينث".

احتاجت القياسات الفلكية تحديثاً في أدوات القياس. وهنا، أيضاً تفوق الفلكيون المسلمون على أسلافهم بتصميم أدوات جديدة، مصححين الأدوات القديمة ) الأقدم)، وأحياناً بناء أجهزة (اسطرلاب) فائقة الضخامة لزيادة الدقة . والإسطرلاب هو مثال لجهاز فلكي أخذ عن اليونانيين إلا أن الفكيين المسلمين طوروه. فاستخدموه أساساً من أجل تحديد موقع الأجرام السماوية ، وقد كان مركباً من عدد من الصحون والأقواس المتحركة لحل تعقيد العلاقات المثلثاتية المعقدة بالرسم وبذلك يُحدَد الاتجاه في الصلاة وتوقيتها.

أما التحديث النظري في الفلك فقد بدأته ملاحظات ابن الهيثم النقدية لأنظمة الكواكب السيارة لدى بطليموس. وطبقاً لفلسفة أرسطو الطبيعية السائدة حينئذ، لاتستطيع الأجرام السماوية أن تتحرك إلا في دوائر هندسية حول الأرض الثابتة. وبينما أقر بطليموس هذا المبدأ في كتابه المجسطي، فقد تخلى عنه في نماذجه للكواكب السيارة ليفسر مواقع الكواكب المرصودة. اعترض ابن الهيثم على هذه الممارسة في كتابه شكوك ضد بطليموس. فأنكرهذا مشروع بحث بلغ ذروته لدى نصير الدين الطوسي في القرن الثالث عشروذلك في صياغة اسلوب جديد لاختراع نماذج للكواكب السيارة. ومن المهم جداً أن اعتراضات مشابهة كانت أساساً لتعديل نيكولاس كوبرنيكوس (لنظرية) بطليموس الفلكية. فضلاً عن ذلك، فإن عمل كوبر نيكوس السابق عن حركة القمر يشبه بحث الطوسي، حيث يبعث الظن حول تأثيرٍ اسلاميٍ محتملٍ على الفلكي البولندي الذي أحدث ثورة في علم الفلك باعتباره الشمس هي مركز النظام الشمسي.

الطب

إن الطب في عصورالحضارة الإسلامية الكلاسيكية والوسطى استمد بشكل أساسي من الطب اليوناني، وخصوصاً مؤلفات أبقراط وجالينوس. وقد تدرب بعض مترجمي هذه النصوص بمن فيهم حنين بن اسحق في مركز جنديسابور الطبي. وكان أطباء الخلفاء العباسيين في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين من أسرة جرجس بن بختيشوع المسيحية (المشهورة بالطب)، وينتمون أيضاً إلى جندسابور. ومن غير المدهش، أن يكون معظم أطباء تلك الفترة مسيحيين سريان. وفي حكاية طرفة من النوادر، أن طبيباً مسلماً معاصراً كان يصيح متحسراً بأنه لوكان اسمه جورج لكان أكثر نجاحاً !

ومساهمة الحضارة الإسلامية الأكثر أهمية بالنسبة للطب هي تأسيس المستشفى كمؤسسة لعلاج المرضى ولتدريب الأطباء.. وكانت انشئت التكايا للمسافرين والمرضى والفقراء واليتامى في بيزنطة وكانت نموذجاً لمؤسسة الخليفة الأموي الوليد (705-715) الخيرية للعناية بالمجذومين والعميان والضعفاء. ومع ذلك فإن المستشفى الحقيقي الأول (بيمارستان)، بناه هارون الرشيد ( 786-809) وجعله على مثال جنديسابور. و أعقب هذا مباشرة العديد من المستشفيات الأخرى في أنحاء العالم الإسلامي من أسبانيا إلى الهند. وقد بنى الخلفاء وموظفو البلاط والناس الأغنياء المشافي. وتكتسب نفقات المشافي من الهبات الخاضعة لإدارة هيئة الأمناء، بما يكفي لرواتب الجهاز الطبي بالإضافة لتلبية احتياجات المرضى. وكان دافع الهبات دافعاً دينياً لأن القرآن ركز كثيراً على أعمال البر. وكانت المشافي التي المؤسسات حيث تتوفر فيها الرعاية الطبية لسائر الناس بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية؛ كذلك كانت المشافي مراكز للتعليم الطبي، مع أن هناك دليلاً يشير إلى أن الطب كان يُدَرَس أحياناً في الفترة المتأخرة في المساجد والمدارس.

وقد أسس عضد الدولة على سبيل المثال المستشفى العضدي في بغداد عام 982م . وكان فيه 24 طبيباً وشملت اختصاصاته أطباء العيون والجراحين وجراحي العظمية. وعندما زار الرحالة أبو الحسن بن جبير المتوفى 1217 م بغداد بعد مئتي عام كان المستشفى مازال يعمل. ويروي لنا بأنه كان بضخامة القلعة وله إمداده الخاص به من المياه من نهر دجلة. و المشفى الضخم الآخر كان المشفى الناصري في القاهرة المنجزعام 1284. وكان يأتي إليه تبرع سنوي بمقدار مليون درهم. و سابقاً كان قصراً يتسع لسكن ثمانية آلاف إنسان وفيه أقسام خاصة للحمى والعينية والحالات الجراحية والإنتانات المعوية..إلخ بالإضافة إلى صيدلية عامة وصيدلية خاصة ومستودع ومسجد ومكتبة. كذلك كان فيه قاعات محاضرات وجهازاً إدارياً وعمالياً من كلا الجنسين.

إن الأطباء المسلمين مع أنهم كانوا يحترمون أسلافهم الهلنستيين لم يكونوا مقتنعين ببساطة بعصمة المعرفة الطبية السابقة. وتمثل هذا في عمل الطبيب والفيلسوف المشهور أبي بكر الرازي شكوك ضد جالينوس. واعتقد الرازي بالتقدم العلمي الذي يتحقق بتبني موقفٍ نقديٍ تجاه مرجعية الشخصيات السابقة. إن الرازي هو مؤلف لعدد ضخم من الأعمال الطبية بما فيها الثلاثة والعشرون مجلد وهي من كتاب الحاوي، الذي يحتوي تجارب المراقبة الشخصية والأطوار الهامة لحالة الشخص المبينة بالمعلومات ورسالة قصيرة عن مرضي الجدري والحصبة، حيث تتضمن معلومات واضحة عن هذين المرضين الساريين. فقد كانت أعمال الرازي لها أثرها لكنها غير مناسبة كنصوص تمهيدية باعتبار أنها أغفلت بحث المبادئ الأساسية للعلم الطبي. وقد كتب علي بن العباس المجوسي المتوفى قرابة 982 كتابه الملكي ملاحظاً هذا النقص حيث عالج فيه مادة الموضوع بوضوح وإيجاز مع أن أسلوبه أحياناً كانجافاً. وسرعان ما تفوق على هذا الكتاب الطبي كتابُ ابن سينا القانون في الطب، الذي أصبح الكتاب الطبي المقرر في العالم الإسلامي(حتى أنه أصبح الكتاب الطبي المقرر في الغرب اللاتيني وكان أحد أقدم الكتب المطبوعة وقد طُبع لست وثلاثين مرة في القرنين الخامس عشر و السادس عشر). ومع ذلك فانسجاماً مع موقف الحضارة الإسلامية النقدي تجاه المعرفة، كان للقانون نقاده الخاصون به. أحدهم، ولاعجب، كان ابن رشد الفيلسوف الأندلسي (الذي خالف مبادئ ابن سينا الفلسفية كما رأينا أعلاه)، ومعاصره الأصغر سناً أبو العلا ابن زهر المتوفي عام 1131. لم يرفض هذا الأخير كتاب القانون فحسب من مكتبته بل استخدم صفحاته لكتابة الوصفات الطبية! أما في الشرق، فكان تلقي كتاب القانون أكثر استحساناً، واجتذب العديد من الشارحين. وكان أحدهم علي القرشي والمعروف أيضاً بابن النفيس المتوفي عام 1288، مدير المشفى الناصري في القاهرة. وكان ابن النفيس أول من جادل في وجود الدورة الدموية الصغرى، مدعياً أن البطين الأيمن للقلب يضخ الدم ويُرسل إلى إلى الرئتين حيث يمتزج بالهواء ويعود بعد ذلك إلى البطين الأيسر. على كل حال، لم يبن ابن النفيس اكتشافه على أساس التحليل التشريحي بل على مناقشة منطقية. وهناك احتمال قوي بأن يكون مؤلف عصر النهضة الأوربية مايكل سيرفتس المتوفى عام 1553 قد تأثر مباشرة باكتشاف ابن النفيس، وأن اكتشاف الطبيب الإنكليزي وليام هارفي المتوفى عام 1657للدورة الدموية اعتمد على عمل سيرفتس.

وهناك خرافة واسعة الانتشار (تقول) بأن العلم والفلسفة كانا هامشيين بالنسبة للحضارة الإسلامية. وأن المسعى العلمي والفلسفي في الإسلام عموماً كان فاتراً ، محتفظاً بالمعرفة الهلنستية حتى حركت أوربا سبات العصور المظلمة وآذنت بنهضة تعليمية بلغت ذروتها بالثورة العلمية في القرن السابع عشر. لاشئ يمكن أن يكون أبعد من ذلك عن الحقيقة. لقد كان النشاط العلمي والفلسفي في الحضارة الإسلاميةحيوياً كما هو مبُين أعلاهً. إنه كان منشغلاً بكلٍ من الإبقاء على المعرفة وتطويرها؛ أثار مسائل أساسية؛ وكان ناقداً للمرجعيات العلمية السابقة؛ وقدم للعلم مساهمات منهجية في؛ ووضع نصوص نظريات واكتشافات جديدة.

تعليم أوربا: حركة الترجمة العربية- اللاتينية

بعد ذلك، شهد القرنان الثاني عشر والثالث عشر انتقالاً آخر للمعرفة، هذه المرة من العربية إلى اللاتينية. وبنتيجة ذلك، أنتج جزء كبير من المعرفة العلمية والفلسفية الإسلاميين في القرون السابقة للباحثين الأوربيين في القرون الوسطى. وقد تم معظم هذا العمل من الترجمة في اسبانيا، خصوصاً في طليطلة حيث عاش اليهود والمسيحيون والمسلمون جنباً إلى جنب. وكذلك في صقلية وكان بعض المترجمين يهوداً وقد ترجموا الأعمال العربية إلى العبرية، أو ترجموا بالتعاون مع الآخرين الأعمال العبرية إلى اللاتينية. وكانت أسرة يهوذا بن طيبون، التي سكنت في لانجدوه في جنوب فرنسا، مشهورة بترجمة أعمال عديدة إلى العبرية، أعمال كتبها يهود بالعربية، بمن فيهم سعدية جون( المتوفى 942 يهوذا اللاوي المتوفى 1141) وسليمان بن جبيرول المتوفى 1058 وموسى الميموني المتوفى1204 وكذلك عدد من أعمال ابن رشد الفلسفية. كان المترجمون الآخرون مسيحيين بمن فيهم قسنطين الأفريقي المشهوربين ْ1065-1085) وإدلارد أوف باث (المشهور بين 1116-1142)وروبرت أوف تشستر (المشهوربين 1141-1150وجيرارد كريمونا حوالي 1114-1187 وآخرون. ولم تكن الترجمات مقتصرة على الأعمال ذات الأصل اليوناني والمترجمة إلى العربية فقط ( مثلاً العناصر لإقليدس والمجسطي لبطليموس ومجموعة أرسطوطاليس)، بل أيضاً أعمال علماء وفلاسفة مسلمين. فهؤلاء معروفون الآن بأسمائهم اللاتينية Avicenna(ابن سينا) وAverroes (ابن رشد) وAvempace (ابن باجة) وAbubacer (أبوبكر ابن طفيل) وAlgazel (الغزالي) و Alhazen(الحسن بن الهيثم ) وRhazes (الرازي) Hali Abbasعلي ابن العباس المجوسي....إلخ.

من المستحيل أن تناقش بشكل كاف تأثير العلماء والرياضيين المسلمين على أوربا في هذه الدراسة الموجزة. يكفي القول بأن أعمالهم ونظرياتهم كانت مشهورة وتدرَس وأدت إلى انجازات أكثر تقدماً. وهذه بعض التوضيحات: إن قانون (كتاب القنون في الطب) ابن سينا كان المقررالطبي بالنسبة للمدارس الطبية الأوربية؛ وكان (كتاب) بصريات ابن الهيثم الأساس الذي بنى عليه كيبلرعلوم البصريات الحديثة في القرن السادس عشر؛ ويعود) عمل كوبر نيكوس إلى آراء علماء الفلك المسلمين؛ وعمل الخوارزمي كان يعود إليه الفضل في التعريف بنظام قيمة الرتبة الكسورفي النظام العشري والأرقام الهندية- العربية في الحساب؛ وأعمال علماء الرياضيات المسلمين عرفت أوربا بالجبر والمثلثات...إلخ.

في مبادئ الفلسفة وعلم الكلام كانت آراء ابن سينا وابن رشد والغزالي وقراءاتهم لأرسطو واضحة في أعمال الباحثين الأكاديميين اللاتينيين مثلالبرت ماغنوس المتوفى1280وتلميذه توما الأكويني المتوفى1274. ففي حين أقر ألبرت ماغنوس والأكويني والآخرون بدور محدود للعقل ضمن السياق الأوسع للدين، كانت كتابات ابن رشد تُرى بأنها تذود من غير معين عن العقل. كما اعتبرت آراء الفلاسفة المسلمين الهلنستيين فيما يتعلق بالعقل الفعال وأبدية العالم وطبيعة الله ...إلخ مناقضة لتعاليم المسيحية. أصبح بعض الكتاب اللاتينين مثل سيغر البربنتي المتوفى 1280مؤيدين لهذه الآراء وأسسوا الحركة التي اتسمت بأنها الرشدية اللاتينية. كتب الكتَاب علم اللاهوتيون مثل ألبرت ماغنوس والإكويني أعمالاً عدائية ضد الحركة الرشدية اللاتينية لكن يبدو أن الحركة استمرت بالتطور. وفي عام 1277 اصدرإتيان تمبلرأسقف باريس استنكاراً من 219 قضية مرتبطة بمذهب الطبيعية، الذي دافعت عنه الرشدية اللاتينية بما فيها بعض الآراء التي اعتقد بها توما الأكويني. فبينما أثَر الإستنكار على مسيرة الفلسفة الطبيعية اللاتينية، فإنه لم يعق دراسة آراء الفلاسفة المسلمين الهلنستيين.

إن تأثير علماء وفلاسفة الحضارة الإسلامية المنبث في الفلسفة وعلم اللاهوت والعلم في العصور الوسطى و حتى النهضة الأوربية حقيقة لانزاع فيها وواضحة لأي شخص مطلع على النشاط الفكري لتلك العصور. لكن هذا التأثير تجاوز(تخطى) تلك العصور التاريخية . إن الجزم بأن الثورات العلمية والفلسفية التي حطمت التقاليد المتبعة في أوربا القرن السابع عشر لايمكن تصورها من دون مساهمات هؤلاء العلماء المسلمين، هذا الجزم وربما بدا في بعض الدوائر بأنه بعيد المأخذ، لكنه مع ذلك انعكاس دقيق للتطورات التاريخية الفعلية . إن القلق من فكرة التأثير البارز للمساهمات غير الغربية لتاريخ الغرب الفكري ناشئ عن الإفتراض بأن العقلانية والفلسفة النقدية والعلم هي سمات فريدة للحضارة الغربية . لذلك، فإن تأكيدات الدور والتأثير الكبيرين لتراث قدماء اليونانيين الفكري على الثورات العلمية والفلسفية مقبولة بسهولة . بل إن تأكيد استمرار تأثير التراث الفكري اليوناني على الحضارة الغربية المعاصرة يدخر دعماً هاماً. لكن تصوير حيازة الغرب للعقلانية والفلسفة والعلم الحصرية هو كلام مطلق بالإضافة إلى أنه متناقض تاريخياً كما هو واضح من تطبيق الفلسفة والعلم في الحضارة الإسلامية العالمية الطابع للإسلام في العصرين الكلاسيكي و الوسيط.

الصابئي ثابت بن قرة المتوفى 901 كفلكي ومترجم للأعمال العلمية.

References

al-Ash‘ari. The Theology of al-Ash‘ari. Tr. Richard McCarthy, Beirut, 1953.

Berggren, J. Episodes in the Mathematics of Medieval Islam. New York: Springer Verlag, 1986.

Chittick, William. Ibn al-Arabi Metaphysics of Imagination: The Sufi Path to Knowledge. Albany: State University of New York Press, 1989.

Dhanani, Alnoor. The Physical Theory of Kalam. Leiden: Brill, 1994.

Dols, Michael W. Medieval Islamic Medicine. Berkeley: University of California Press, 1984.

Fakhry, Majid. A History of Islamic Philosophy. 2nd edition. New York: Columbia University Press, 1983.

--- Ethical Theories in Islam. Leiden: Brill, 1991.

al-Farabi. On the Perfect State. Ed. and tr. Richard Walzer. Oxford: Clarendon, 1985.

Frank, Richard. Al-Ghazali and the Asharite School. Durham, N.C.: Duke University Press, 1994.

Ghazali. Freedom and Fulfillment: An Annotated Translation of al-Ghazali’s al-Munqidh min al-dalal and Other Relevant Works of al-Ghazali. Tr. Richard McCarthy. Boston: Twayne, 1980.

Gibb H. et al. ed. The Encyclopedia of Islam. New ed. 7 vols. Leiden: Brill, 1960.

Gillespie C. et al. ed. Dictionary of Scientific Biography. 18 vols. New York: Scribner’s, 1972-80.

Goodman, Lenn E. Avicenna. London and New York: Routledge, 1992.

Gutas, Dimitri. Avicenna and the Aristotelean Tradition. Leiden: Brill, 1988.

Hyman, Arthur and James Walsh. Philosophy in the Middle Ages: The Christian, Islamic, and Jewish Traditions. New York: Harper and Row, 1967.

Ibn al-Haytham. Ibn al-Haytham’s Optics. 2 vols. to date. Tr. A.I. Sabra. London: The Warburgh Institute, 1989.

Ibn Rushd (Averroes). On the Harmony of Religions and Philosophy. Tr. George Hourani. London: Luzac, 1967.

--- The Incoherence of the Incoherence. Tr: Simon van den Bergh. London: Luzac, 1978.

Ibn Sina (Avicenna). The Life of Ibn Sina. Ed. and tr. William Gohlman. New York: Suny Press, 1974.

--- Avicenna’s Psychology. Tr. Fazlur Rahman. London: Oxford University Press, 1952.

Ibn Tufayl. Ibn Tufayl’s Hayy ibn Yaqzan: A Philosophical Tale. Tr. Lenn E. Goodman, New York: Twayne, 1972.

Kennedy, E.S. Studies in the Islamic Exact Sciences. Beirut: American University of Berut Press, 1983.

al-Khwarizmi, Muhammed. The Algebra of Muhammad ben Musa. Tr. F Rosen. London: 1831.

King, David. Islamic Mathematical Astronomy. London: Variorum, 1986.

Astronomy in the Service of Islam. Aldershot, Hampshire, Great Britain: Brookfield, Vermont.: Variorum, 1993.

Leaman, Oliver. An Introduction to Medieval Islamic Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press, 1985.

--- Averroes and His Philosophy. Oxford: Clarendon Press, 1988.

Lerner, Ralph and Muhsin Mahdi, eds. Medieval Political Philosophy: A Sourcebook. Ithaca: Cornell University Press, 1972.

Lindberg, David (ed). Science in the Middle Ages. Chicago and London: University of Chicago Press, 1978.

Mulla Sadra. The Wisdom of the Throne. Tr. James W. Morris. Princeton: Princeton University Press, 1981.

Nasr, Seyyed Hossein. Three Muslim Sages: Avicenna, Suhrawardi, Ibn Arabi. Cambridge: Harvard University Press, 1964.

--- Islamic Science: An Illustrated Study. London: World of Islam Festival, 1976.

Pines, Shlomo. “What was original in Arabic Science” in Scientific Change ed. A.C. Crombie. New York: BasicBooks, 1963.

Rosenthal, Franz. Knowledge Triumphant. Leiden: Brill, 1970.

The Classical Heritage in Islam. Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 1975.

Sabra, A.I. Optics, Astronomy, and Logic: Studies in Arabic Science and Philosophy. Aldershot, Hampshire, Great. Britain; Brookfield, Vt.: Variorum, 1993.

--- “Philosophy and Science in Medieval Islamic Theology: The Evidence of the Fourteenth Century.” Zeitschrift fur Geschichte der Arabisch-Islamischen: Wissenschaftert. 1995.

Sayili, Aydin. The Observatory in Islam. Ankara, 1960.

Strayer J. et al. ed. Dictionary of the Middle Ages. 13 vols. New York: Scribner's, 1982-1989.

al-Tusi, Nasir al-din. Memoir on Astronomy. 2 vols. Ed. And tr. F Ragep. New York: Springer Verlag, 1993.

al-Uqlidisi, Abu al-Hasan. The Arithmetic of al-Uqlidisi. Tr. A.S. Saidan. Dordrecht and Boston: Reidel, 1978.

Ullmann, Manfred. Islamic Medicine. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1978.

Walker, Paul E. Early Philosophical Shi‘ism. Cambridge: Cambridge University Press, 1993.

Wolfson, Harry. The Philosophy of the Kalam. Cambridge: Harvard University Press, 1976.

Yarshater E. ed. Encyclopedia Iranica. 6 vols. London, Boston, and Henley: Routledge and Kegan Paul, 1982.

The Institute of Ismaili Studies - الفلسفة والعلوم الإسلامية
Last updated: 2/20/2009 16:08