أفلاطون، الأفلاطونية و الأفلاطونية الحديثة

نشرت هذه المقالة أولاّ في موسوعة القرون الوسطى للحضارة الإسلامية، المجلد الثاني، ص614-616 ، (جوزيف و. ميري Josef W.Meri) ، روت ليدج (نيويورك- لندن، 2006).

تبنت مدرسة الفلسفة التي تشكلت في القرن الثالث الميلادي، و المعتمدة على تعاليم أفلاطون والمفسرين لعمله، دوافع فكرية جديدة عندما أصبحت نصوصها متوفرة للباحثين في الحضارة الإسلامية من خلال الترجمة من الإغريقية إلى العربية منذ القرن التاسع الميلادي. وقد تمثل الفلاسفة و المفكرون في الإسلام التراث الفلسفي و وسعوا التطبيقات العملية و النظرية لأفكاره بطريقة إبداعية، كما أنهم أتوا باتجاهات جديدة لموضوعاته الفكرية مما أنتج مساهمات فكرية هامة، لاسيما في المجالين الفلسفي و الأخلاقي.

     Download PDF version of article 32 KB


المفاهيم الأساسية

الأفلاطونية الحديثة، اللغة السريانية، أفلوطين، أفلاطون، الجمهورية، الفيدو، الندوة، أتباع فلسفة أرسطوطاليس، الرواقي، الفيثاغوررثية الحديثة، الإنيادة العقل الكلي، ما وراء الطبيعة، الأفلاطونيون، الخلق خارج العدمية، النفس الكلية، القوانين، السفسطائي، تيماوس، تاريخ المثل في الإسلام، المدينة الفاضلة، المجموعة الكاملة الأفلاطونية، تهذيب الأخلاق، ابن مسكويه، كتاب الخير المهذب، الكندي، اخوان الصفا، الفارابي، ابن سينا، السجستاني، الكرماني، السهروردي، ابن عربي، ملاّ صدرا.

أفلاطون، الأفلاطونية و الأفلاطونية الحديثة

كانت الأفلاطونية الحديثة حركة فلسفية تنتمي بشكل أساسي إلى المدارس الفكرية السريانية والهلنستية الاسكندرانية. ويعتبر أفلوطين (205-207م) المصري المتأثر بالثقافة الإغريقية هو مؤسسها، كان متأثراً بشكل عميق بأعمال أفلاطون الجمهورية، الفيدو، الندوة، بالإضافة إلى استيحائها في عقائد أتباع أرسطوطاليس، والرواقية، و الفيثاغورثية الحديثة. كانت المجموعة الكاملة المشهورة لأفلوطين: الإنيادة قد ظهرت جزئياً كنتيجة للأهداف التي عرضها أرسطوطاليس ضد نظرية المثل لأفلاطون. ناقش أفلوطين،في هذه المسألة، أن الصيغ الأفلاطونية توجد في ما أشار إليه أرسطوطاليس "بالعقل". بإعطاء أهمية ميتافيزيقية إلى الأفكار المجردة، فُسِّرَ عالم الوضوح على أنه قاعدة الواقعية الأساسية، التي كانت مستقلة بشكل متطرف عن الموجودات الحسية. أدت نظرية علم الوجود هذه إلى الاعتقاد بوجود قيم مطلقة متأصلة بالخلود. أخذ تلميذ أفلوطين، بوفيري من تير (232-305م)، على عاتقه التوسع بتعاليم أفلوطين ورَفَدَها عمل تلميذ لاحق هو أمبليكوس السوري (250-330م). لكن بروكليس (411-485م) قدم أدقّ تنظيم لهذا الإرث

واجهت دوافع الأفلاطونية الحديثة في الفلسفة العديد من التحديات التي تلت إغلاق الأكاديمية الأثينية (526م) من قبل الامبراطور الروماني جوستينيان. وتجددت حركة هذا التقليد على يد فلاسفة الحضارة الإسلامية الوسيطة الذين صبغوها بتوجهات توحيدية. وعلى خطا سقراط في نقد السوفسطائية، يرى الأفلاطونيون أنه لا يمكن أن تستمد المعرفة من المظاهر الخارجية وحدها، وأن هذه المعرفة يمكن أن تُنال بشكل مناسب من خلال المثل العالمية. وبخصوص تأملات البارمينديين فإنهم اعتقدوا أن عالم الوجود ثابت وأبدي، ولا يفنى، بينما نظروا تبعاً لهرقليط إلى العالم الحسي على أنه محكوم بالتدفق الدائم للصيرورة المتحولة. وتأكيداً للتمييز بين الحقيقة والاعتقاد فقد جزموا أن المفهوم يُدرك بالعقل بينما المحسوس يُدرك فقط بالتقدير. ومع هذا الإرث الأفلاطوني، أصبح الرمز الأخلاقي للخير مبدأً كونياً.

وفي النهاية، اعتقدت الأفلاطونية الحديثة أن الواحد باعتباره الكمال غير المحدود للوحدة المطلقة، والبساطة والخير يمنح وجوداً من نفسه ناجماً عن صفائه. وقد تشبثت بهذا الأمر معتبرةً أنه عملية انبعاث أكدَ أولوية التنـزيه الإلهي على الخلق وقدم شرحاً متعاقباً للأجيال التي تحدت عقيدة الخلق خارج العدمية (creatio ex nihilo). وبالاستناد إلى هذه الرؤية، فإن الواحد، لكونه مصدر الوجود الأول الكامل يتصل بالعقل الكلي، العقل الثابت الباطني، باعتباره صورته الخاصة. تنطلق النفس الكلية من هذا العقل المعبر المتدفق المنتقل بين عالم المثل وعالم الحواس. وبانحرافها إلى المادية، تولّد النفس كل الموجودات المركبة المحسوسة، بينما تمثل المادة المرتبة الأخيرة بين مراتب الوجود باعتبارها أساساً غير حقيقي للكون العجيب. ويُتبع الانبعاث نفسه، وهو ذو الأصل المتحول، بارتقاء يعبر عن رغبة النفس الراشدة للعودة إلى مصدرها و الرغبة في أن تقيم في عالم المثل. برزت هذه الحركة الانعكاسية كأساس للرمز المعنوي في نظام الأفلاطونية الحديثة التي دافعت عن الفصل الثاني للعقل و الجسد، بالإضافة إلى الجزم بفسوق النفس.

بدأ الفلاسفة في القرون الوسطى للإسلام يعرفون أفلاطون من خلال ترجمة أعماله: القوانين، والسفسطائي، وتيماوس، والجمهورية إلى العربية. وأكثر ما برز تأثير أفلاطون على تاريخ المثل كان في مجال فلسفة الأخلاق والسياسة، بينما عرضت آراؤه الإمكانيات لإعادة التأليف بين الفلسفة الوثنية والدين التوحيدي من أجل البحث عن الحقيقة وكشف مبادئها النهائية. قدمت أعماله الجمهورية والقوانين نموذجاً تشريعياً جذاباً يلهم التفكير السياسي في الإسلام، وخصوصاً منحى التفكير الذي ظهر في رسالة الفارابي (870-950م) المدينة الفاضلة حيث أعطى أهمية للدور الذي أدّته الفلسفة في وضع الترتيبات القانونية والأعراف للدولة الإسلامية المثالية. أثرت المجموعة الأفلاطونية الكاملة أيضاً على العلماء الانسانيين مثل ابن مسكويه (940-1030م) الذي اعتنق في عمله ،تهذيب الأخلاق، المفهوم الثلاثي الأفلاطوني للنفس، مترافقاً مع تشعباته السياسية- الأخلاقية. أما بالنسبة لعقائد الأفلاطونية الحديثة، فقد وجدت طريقها إلى التاريخ العقلي للإسلام من خلال مناقشات أفلاطون، بالإضافة إلى شق طريقها من خلال أبحاث صغيرة عرفت بكتاب الخير المهذب لأرسطوطاليس. ومع أن كلا البحثين نُسبا بشكل خاطئ إلى أرسطوطاليس، إلا أن الأول أعاد إنتاج أجزاء من عمل إنادة لأفلاطوين، بينما اعتمد الأخير على عمل بروكليس "عناصر علم اللاهوت". قاد الانتقال النصي الخاطئ إلى صبغ الأرسطوطاليسية بالأفكار المتكررة للأفلاطونية الحديثة، التي أثرت على تفكير المفكرين مثل الكندي (توفي 873م)، وإخوان الصفا (القرن العاشر الميلادي)، والفارابي (توفي 950م)، وابن سينا (توفي 1037م)، الذين أثروا بدورهم على الأنظمة الدينية للسجستاني (توفي 971م)، والكرماني (توفي 1020م)، والسهروردي (توفي 1191م)، وابن عربي (توفي 1240م)، وملاّ صدروا (توفي 1640م).

المصادر الأساسية


الفارابي (الفارابية). DE Platonis Philosophia. فرانس روسينثل و ريتشارد والزير. لندن: معهد واربرغ، جامعة لندن 1943.


جالينوس، كلوديوس. .Compendium Timaei Platonis بول كروس و ريتشارد والزير. لندن: معهد واربرغ، جامعة لندن 1951.


أفلاطون. Plato Arabus. بول كروس و ريتشارد والزير. لندن: معهد واربرغ، جامعة لندن 1951.

لزيادة الإطلاع


بول كروس. "Plotin chez les arabes". Bulletin de 1 Institut d، Egypte 23 (1941): 236-295.


إيان ريتشارد نيتون. الأفلاطونيون الحديثون المسلمون: مقدمة إلى التفكير بإخوان الصفا. لندن: ج.آلين و أونوين، 1982.


فرانز روسينثال. مغرفة فلسفة أفلاطون في العالم افسلامي. الثقافى الإسلامية 14 (1940): 398-402.


ريتشارد والزير. "أفلاطون". في الموسوعة الإسلامية. المجلد الأول. ليدن: بريل، 1960.


الإغريق إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية. كامبريدج، م.ا: صحافة معهد هارفرد، 1962.