Speech

خطاب حفل تخريج الطلاب الخريجين من معهد أونتاريو للدراسات التربوية

سمو الآغاخان
18 حزيران ،2004
جامعة تورنتو
تورنتو ،أونتاريو ،كندا
 
 
الرئيس بوي ،
الرئيس بير جينيو
العميد جاسكل ،
أعضاء المجلس الإداري ،
الهيئة التدريسية ،
الآباء والطلاب
الزملاء الخريجون:

أشكرلكم ترحيبكم الحار ،و قد تأثرت بعمق للتكريم الذي قدمته لي هذه المؤسسة العلمية المشهورة وذلك بمنحي شهادة الدكتوراه الفخرية في القانون .إنني أقبل هذه الجائزة بسعادة كبرى ، بل وبإحساس عميق من التواضع أيضاً، مدركا أن العديد من الرجال و النساء من مراتب أعلى وذوي إنجازات أكثر شهرة ،قد تم تكريمهم أيضا ، منضمين إلى رتل شهير من المكرمين سابقا.

و لكن ،قبل كل شيء ،فإن حدث اليوم يخصكم ،أنتم خريجي (OISE) معهد أنتاريو للدراسات التربوية، فيما أنتم تتأملون في طبيعة العالم الذي ينتظر اهتمامكم .من اختياركم للتربية كمجال من المعرفة ذوي أهمية عظمى بالنسبة لكم ،توجد على الأقل ثلاثة أسئلة أفترض أنكم ستطرحونها على أكثرية مساعيكم المستقبلية. أولا ،ما الذي تحتاج أن تعرفه الأجيال المستقبلية من الناس المتعلمين في كندا وفي سائر أنحاء العالم كي يكسبوا لأنفسهم ولأسرهم عيشا كريماً؟ ثانيا، ما الذي ستحتاجه الأجيال المستقبلية كي تجعل من عالمنا مكاناً أفضل؟ وثالثاً، ما الذي يمكنكم القيام به، كمواطنين كنديين، لتؤدوا دوراً عالميا تفاؤلياً؟

في عام 1957، وهو العام الذي صرت فيه إماماً للشيعة الإسماعيليين المسلمين، كان الحائز على جائزة نوبل للسلام سياسي في الستين من العمر، قد كتب قبل عامين في كتاب عنوانه الديمقراطية في سياسات العالم:

إننا الآن ندخل في عصر يتوجب فيه على الحضارات المختلفة أن تتعلم العيش جنبا إلى جنب في تبادل سلمي، فتتعلم من بعضها بعضاً، وتدرس تاريخ كل منها ومثله، وفنونه وثقافاته، معززة حياة بعضها بعضاً. والبديل الوحيد في هذا العالم الصغير المتزاحم، هو سوء التفاهم، والتوتر، والصدام والكوارث.

إن هذا الكاتب صاحب البصيرة، الذي سيعرفه البعض منكم كخريج عالي المقام ومدرس سابق في هذه المؤسسة العظيمة، قاد هذا البلد باعتباره رئيس وزرائه الرابع عشر: لستر ب. بيرسون.

منذ أربعة أسابيع ،أشرت في حديثي في ’مؤتمر القيادة والتنوع‘ في أوتاوا أن حوالي 40% من بلدان الأمم المتحدة ذات ديمقراطيات فاشلة، وأن تجربة الأمم المتحدة الخاصة تشير إلى حالة الضعف العام للمجتمع المدني في هذه البلدان كواحد من الأسباب الرئيسية لهذا الفشل الشائع . ما هو المجتمع المدني؟ لماذا هو جوهري بالنسبة للسلامة الجيدة لأي دولة حديثة؟ وما هو دور التربية في تشكيل وإغناء المجتمع المدني؟

يستخدم البنك الدولي هذا المصطلح للإشارة إلى عدد كبير من المنظمات التي لها وجود في الحياة العامة و لكنها ليست مرتبطة بالدولة. وتعمل على أساس غير ربحي لتعبر عن اهتمامات وقيم أعضائها والآخرين، بناء على اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية. ومن هذا المنظور، فإن منظمات المجتمع المدني متنوعة:من مجموعات وطنية وأهلية إلى منظمات دينية و خيرية ،إلى منظمات غير حكومية ،إلى اتحادات عمالية وجمعيات ومؤسسات مهنية.

ولكن يوجد تعريف أوسع يقول بأن المجتمع المدني يشمل حتى تنوعاً أوسع في المجالات والفاعلين والأشكال المؤسساتية التي تتنوع في درجة رسميتها، واستقلاليتها وسلطتها. وبالإضافة إلى تصنيفات البنك الدولي، فإن هذه المجالات مأهولة بمنظمات كمجموعات القرية والنساء، ومجموعات المساعدة الذاتية المجاورة، والحركات الاجتماعية، والجمعيات التجارية ومنظمات القروض الصغيرة, ومجموعات الائتلاف والمناصرة.

في عهد التوقعات الناشئة والحاجات التي لم تتم تلبيتها، في العالم المتقدم، وكذلك إنما أكثر بكثير في العالم النامي، تقوم منظمات المجتمعات المدني بدور رئيسي في تقديم الخدمات الاجتماعية، وفي حماية المهمشين وفي تطبيق البرامج التنموية. إن العمل الإيجابي لمبادرات المجتمع المدني هذه مهم خصوصاً حيث تكون الحكومات ضعيفة أو معطلة، كما في حالات الديمقراطية الفاشلة أو حالات المصالحة وإعادة البناء بعد فترة النزاع.

أياً كان التعريف المستخدم, فإن المجتمع المدني الممتاز يكون مستقلاً عن الحكومة، و تعددياً و تقوده قيادة كفؤة ومثقفة. إن المجتمع المدني الكندي ليس فقط يلبي بتفوق هذه المعايير الثلاثة في كونه غير حكومي وتعددي و تقوده الكفاءة، فإني أدرك أنه لا يوجد أي بلد آخر يكون مجتمعه المدني أكثر تعاطفاً مع حاجات المجتمع المدني لبلدان أفريقية وآسية التي أعمل فيها منذ حوالي 45 عاماً. لذلك، سألت نفسي، ليس مرة فحسب ،بلّ مئات المرات ،إن كان يمكن, للمجتمع المدني الكندي أن يوظف موارده بقوة أكثر للمساعدة على تحسين نوعية حياة الشعوب في أفريقية وآسية.

وبهذا الطرح، تصبح القضية هي تلك المشاركة بالعديد من أشكال المعرفة الإنسانية وتلك التجربة التي تخلق المجتمع المدني ثم تحافظ عليه ،أكثر منها ضخا كبيرا للموارد المالية .و مع ذلك يوجد شرطان أساسيان واضحان: الأول، أن ترغب حكومات و شعوب العالم النامي بالمساعدة المقدمة وترحب بها. إن هذا يتطلب بيئة اجتماعية و قانونية و مالية مساعدة .ثانيا ،أن ترى المؤسسات الكندية و الموارد البشرية أن في رغبتها بالمساعدة إغناءً حقيقياً في هدف الحياة.

و إذا فرضنا أن هذين الشرطين قد تحققا، فربما تتساءلون كيف يمكن لهذه الشراكة الواسعة للمجتمع المدني من أجل التنمية أن تتم عملياً. توجد صيغ لا تحصى قد حققت نجاحا حقيقيا في الماضي. وهي تتضمن: المشاركة في أفضل الممارسات، وتوأمة المؤسسات، والتحسين النوعي في تقديم الرعاية الصحية و التعليم، وتأهيل القيادات كمديري المدارس أو مدرسي لجامعة في المجالات المتخصصة، وتقوية مؤسسات المجتمع المدني في وضع البرامج المتقدمة و قياس الأداء, و التعليم المستمر لمعظم المهن المهمشة كالتمريض أو الصحافة، و تدريس أفضل الممارسات في المجال اللاربحي و الخيري. فالفرص من أجل المشاركة عديدة. ولكنها لم تتحقق بعد، أو إذا تحققت، فإنها أدنى من الحاجات بمستوى غير محدود، و أدنى من إمكانية التغيير بشكل مثير.

هذه هي طبيعة التغيير الحقيقي للنظام الذي نحتاجه، حيث يقدم المجتمع المدني في العالم الصناعي دعما واسعا وشاملا للمجتمع المدني في العالم النامي.

إن تغيير النظام الحقيقي يتم عندما يكفل الحرية شعب يكون حراً في خلق أو دعم مؤسسات من اختياره الخاص. إن تغيير النظام الحقيقي يتم عندما يحددتلك القوة وتلك الحرية تعليم جيد يتميز بالعمق والاتساع ويساهم فيه المجتمع المعني.

إن الشراكات بين العالمين النامي والمتقدم تستطيع أن تعمل وهي تعمل فعلاً, فضلاً عن أنها تبين كم أن الجامعات و قوام حياتها – أي أنتم خريجيها- أساسية بالنسبة للمجتمع المدني.

اليوم ،يوجد في باكستان و جمهورية قيرغيستان و تنزانيا،على رأس عملية تغيير المناهج و تقنيات التعليم الحديث، شباب وشابات، مثلكم، قد درسوا في معهد أونتاريو للدراسات التربوية. إنهم خريجو جامعة الآغاخان، معهد التنمية التربوية، الذي أسس بمساعدة جامعتي تورنتو وأوكسفورد.

و اليوم أيضا تتعاون جامعة الآغاخان مع مؤسسات بحث عالمية في العالم المتقدم في مجالات تتدرج من السرطان و الإيدز إلى أمراض أوعية القلب، و إصابات ما قبل الولادة وأمراض فرط ضغط الدم. إن هذا التعاون الممتد عبر الحدود الوطنية والثقافية واللغوية والدينية و العرقية يؤدي إلى إيجاد الطرق للمحافظة على الحياة.

وفي جامعة آسية الوسطى التي هي قيد الإحداث، نبحث ونعالج التحديات التي تواجه المجتمعات الجبلية، مستفيدين من تعددية التقاليد لخلق استقرار وازدهار في مناطق نائية من العالم و مع ذلك فهي مناطق حساسة جغرافيا و سياسيا – محافظين بذلك ليس فقط على الحياة، و إنما على المجتمع و الثقافات و ربما على الأمم.

اليوم أنتم تتخرجون من إحدى أعظم جامعات كندا في مجال من الدراسة ذي أهمية عظمى. إنني أتحدث إليكم كشخص جذوره و اهتماماته المؤسساتية هي في العالم النامي، وكمسلم، وكفرد يسعى للاهتمام بحياة الملايين من الناس الذين يعيشون في آسية وأفريقية وتحسينها.

ومن هذه الخلفية أدعوكم – لا بل أحثكم - أن تفكروا بعمق في حاجات عالمنا اليوم .أنا متأكد أنكم سترغبون في انتهاز الفرص لبحث معرفتكم مع الأجيال المستقبلية هنا في كندا ،و لكن يجب أن تتمنوا، أن تصل معرفتكم إلى أبعد من شواطئكم ،و سيرحب بها بعمق. لأن المجتمع المدني هام جدا لنوعية الحياة، و لسرعة التقدم، و لأنه يجد تعبيرا في العديد من الأشكال والمجالات التعددية، فأنا مقتنع أن المستقبل الذي أمامكم، في هذه البيئة العالمية التي نتشارك فيها ، سيقدم لكم طيفا مميزا من الفرص.

شكرا لكم.