Speech

" التعليم العالمي والعالم النامي" "محاضرة بيترسون" لسمو الآغا خان في الاجتماع السنوي لمنظمة البكالوريا العالمية بمناسبة الذكرى الأربعين لتأسيسها

 سمو الأغاخان

أتلانتا ، جورجيا
18 نيسان 2008
 
 
الدكتورة مونيك سيفريد، رئيسة مجلس الإدارة للبكالوريا الدولية
أعضاء مجلس الإدارة
السيد جيفري بيرد، المدير العام للبكالوريا الدولية
الساد ة المعلمون والطلاب من مجتمع البكالوريا الدولية
الضيوف الكرام

إنـّه لشرف عظيم أن أكون معكم اليوم . لقد تطلعت إلى هذا اللقاء منذ وقت طويل، وإنني ممتن بشكل خاص لمونيك سيفريد لتقديمها الكريم لي لهذه المحاضرة، ولوصفها الجميل لكلا السياقين المحلي والعالمي الذين نلتقي فيهما.

إن هذه المناسبة هامة جداً بالنسبة لي لأسباب عدة.

إنها هامة، بالطبع، لأنها توافق الذكرى الأربعين لما أعتبرها إحدى المؤسسات الأصيلة الكبرى في عصرنا، والتي هي برنامج البكالوريا الدولية. أقول ذلك لأن برنامج البكالوريا الدولية يجسد فكرة قوية، يجسد الثقة بأن التعليم يمكنه إعادة صياغة الطريقة التي من خلالها يفكر العالم حول ذاته.

أشعر بأنني كُرمت كثيراً بإعطائي هذه المحاضرة الخاصة ، محاضرة بترسون التي لها أيضاً ميراثٌ كبيرٌ. ومن المناسب الاحتفال بحياة اليك بترسون وبأعماله، بترسون الذي كانت قيادته الفكرية والأخلاقية محورية لهذه المنظمة ولكل المنظمات التي تأثرت بها .

شعرت بالتواضع عندما دُعيت أولاً لتقديم محاضرة بترسون. وعليَّ الاعتراف بأن شعوري بالاحترام قد كبُر عندما بدأت أتصفح لائحة المحاضرين السابقين المبجلين. ثم اتخذت آنذاك خطوة أخرى فنظرت إلى ما قاله هؤلاء الأشخاص عنه على مر السنين . وفضلا على ذلك ، لقد تأثرت بعمق بتحمل مسؤولية هذه المهمة.

تكوِّن محاضرات بترسون المجموعة معاً، لائحة رائعة للقراءة في مقرر تعليمي لجامعة متميزة يتعلق بموضوع التعليم الدولي. وبعد الاطلاع على المحاضرات، تساءلت فيما إذا تُرك أيُّ شئٍ آخر للقول حول هذا الموضوع! ولكن إذا كان على أي شخص أن يدمج هذه المحاضرات في منهاج جامعي، عندئذ قد يكون من المناسب لملاحظاتي الآتية أن توضع تحت عنوان " قراءة إضافية اختيارية!".

أخيراً، إن لهذه المناسبة معنىً خاصاً بالنسبة لي، لأنها تأتي - كما قد تعلمون - في الذكرى الخمسين لي كزعيم ديني، أو إمام للمسلمين الإسماعيليين الشيعة. ومن ثم فإننا نحتفل اليوم معاً بالذكرى الأربعين والذكرى الخمسين، وكلتا المناسبتين توفران الفرص لربط ماضينا مع مستقبلنا، وجذورنا بأحلامنا.

لقد صادفت مفاجأة مدهشة إلى حد ما عند الاطلاع على نصوص محاضرات بترسون السابقة. ليس خطاباً واحداً فقط بل خطابين من خطابات السنوات الماضية قد اقتبست أقوالا لجدي السير سلطان محمد شاه آغا خان الذي ورثت منه دوري الحالي في عام 1957. كما أني ورثت منه الاهتمام العميق بتقدم التعليم في الدول النامية بشكل خاص. وكان هذان الموضوعان، التعليم والتنمية، محور أعمالي الخاصة على مدى السنوات الخمسين الماضية، وسيكونان الموضوع المركزي لملاحظاتي اليوم.

في وقت مبكر جداً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تم إرسالي مع أخي إلى مدرسة لو روزي في سويسرا، وبعد سنوات قليلة في تلك المدرسة، انضم للمدرسة مدرب جديد لرياضة التجديف، وقيل لنا أنه سيدرب أيضاً فريق هوكي الجليد خلال فصل الشتاء. لقد كان اسمه فاكلاف روبيك، ولكن ليس له شهرة مكعب روبيك، ولكنه هو مثل المكعب المشهور ذاته له التأثير ذو التحدي. كما أنه كان يعتبر واحداً من أكثر الرياضيين موهوبةً وذكاءً ممن قابلتهم في حياتي. لقد كان في فريق هوكي الجليد الوطني التشيكي الذي كان من أفضل الفرق في العالم، وكان أيضا في فريق القوارب الرباعية والثمانية الوطنية من دون ربانها. كما كانت زوجته في فريق الهوكي الميداني الوطني التشيكي. وهكذا كانت مدرسة لو روزي محظوظة جداً بوجود بطلين استثنائيين ليقوما بالتدريب. بيد أنه يوجد هناك بعدًٌ آخر لفلاكلاف روبيك. لقد كان يحمل دكتوراه في القانون، وكان هو وزوجته لاجئين سياسيين قد هربا سيراً على الأقدام من تشيكوسلوفاكيا إلى سويسرا. لقد كان ذا شخصيةٍ جذابة، وبعد سنتين فقط من التدريب نجح في تشكيل فريق رباعي لمن هم دون الثامنة عشر من العمر، وقد ربح بهم كل سباق خاضه بما فيهم بطولة سويسرا الوطنية لكل الأعمار.

لقد أمضينا ساعات طويلة في ركوب الحافلات متنقلين من مباراة تجديف إلى أخرى، ومن مباراة هوكي جليد إلى ثانية. إني أتذكر سؤالا ًطرحته عليه، عما ينوي فعله، حيث أنني لم أكن أرى أن رجلاً بمثل كفاءته سيبقى إلى أجل غير مسمى كمدرب رياضة في مدرسة سويسرية صغيرة. وكان جوابه أنه قد قدم طلب لجوء سياسي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحالما يُقبل طلبه سيأتي إلى هنا. وسألته عند ذاك كيف سيتدبر معيشته عندما يأتي إلى الولايات المتحدة، حيث أنني كنت متأكداً من أنه لن يواصل مهنته كمدرب رياضة، وقد بقي جوابه في ذهني منذ ذلك الوقت للآن. قال لقد هربت وزوجتي من تشيكوسلوفاكيا وليس معنا شيء غير الثياب على ظهورنا والأحذية في أقدامنا، ولكنني أملك ثقافة جيدة تمكنني عندما أصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية من الحصول على نوع العمل الذي أرغبه. وعندما غادر مدرسة لو روزي، فقدت إلى حد ما التواصل معه، والشيء الوحيد الذي سمعته عنه، أنه أصبح من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة ماكنات سنجر للخياطة.

إن المغزى المعنوي لهذه القصة واضح، إذا كنت لا تمتلك شيئاً في جيبك ولديك الملابس والحذاء الذي تنتعله، وتملك ذهناً مثقفاً جيداً، فيمكنك اغتنام الفرص التي تقدمها الحياة لك، وتبدأ حياتك من جديد.

وأظن أن العديد من أفراد الجماعة الإسماعيلية الذين طردوا من أوغندا من قبل الرئيس عيدي أمين مثل غيرهم من الآسيويين، وبنوا لهم حياة جديدة ناجحة في مناطق أخرى من العالم ، سيخبرونكم بالقصة نفسها.

لقد أدركت منظمة البكالوريا الدولية منذ بدايتها الفعلية هذه الحقيقة المركزية. ولكن بينما نحن ننتقل نحو قرن جديد، أود أن أضم إلى كلماتي عن التهنئة والثناء بعض الكلمات عن الاستفسار والتحدي.

ما هو الغرض والمآل الأخير للبكالوريا الدولية في المجتمعات النامية، وضمن سياق إسلامي؟ ما الذي يمكن أن تسهم به تلك العوالم بالنسبة إلى مجتمع البكالوريا الدولية؟ كيف يمكن لمؤسسات ضاربة الجذور في تقاليد ثقافية مختلفة أن تعمل معا لإقامة جسرٍ بين هذه العوالم التي غالباً ما كانت متباعدة عن بعضها بشكل واسع؟

وكنقطة انطلاق لمعالجة هذه الأسئلة، أود العودة إلى كلمات جدي المقتبسة ضمن محاضرتين من محاضرات بترسون السابقة. لقد أدرجها ضمن خطاب قدمه كرئيس لعصبة الأمم في جنيف منذ نحو سبعين سنة. وهي في الأصل للشاعر الفارسي سعدي، فكتب: "بنو آدم خلقوا من طينة واحدة وهم أعضاء لجسد واحد، وعندما يعاني عضو واحد من أمر فكل الأعضاء الأخرى تعاني مثله على حد سواء. أنت أيها غير المكترث بمعاناة زميلك، إنـّك لا تستحق أن تدعى إنساناً."

يمكنكم بسهولة فهم لماذا تبدو هذه الكلمات مناسبة لمحاضرة بترسون. إنها كذلك لأنها تتحدث عن القيم الأساسية للرابطة الإنسانية الشاملة التي هي هدية الخالق التي تطلب منا بذل جهودنا وتعزيزها للتثقيف من أجل المواطنة العالمية.

كما أود أيضا أن أقتبس أكثر التعابير قوة عن وحدة الجنس البشري لأن مصدرها المباشر هو القرآن الكريم ، وأود منكم أن تفكروا فيها. يوجه القرآن الكريم خطابه ليس فقط إلى المسلمين ولكن إلى الجنس البشري بأكمله، حيث يقول :" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء."

تُعَبِّر هذه الكلمات عن بصيرة روحية عميقة ، وعن أمر الهي إذا صح التعبير، والتي ينبغي برأيي أن تقوي وتدعم التزاماتنا التعليمية. ذلك لأننا نرى النوع البشري، على الرغم من اختلافاتنا، كمخلوقات لله ولدت من نفس واحدة، فإننا نصرعلى تخطي الحدود التقليدية عندما نتداول في القضايا ونتواصل ونعلِّم على المستوى الدولي. وقد وضع بيان مهمة البكالوريا الدولية بشكل جيد ما يلي: "تشجيع الطلاب عبر العالم ليصبحوا نشطاء ورحماء ومتعلمين على مدى الحياة، ويفهموا أن الناس الآخرين قد يكونون على حق مع اختلافاتهم."

فكَّر مجتمع البكالوريا الدولية طويلا وجديا حول كيفية جعل الطلاب واعين ومدركين لعالم أوسع، ومتعاملين بفعالية مع تنوع هذا العالم المذهل وترابطه المتنامي مع بعضه البعض. لقد عالج برنامج البكالوريا الدولية بجهد كبير واحداً من ألغاز العصر الأساسية وهو كيفية النظر بعين الاعتبار إلى اثنين من التحديات يختلفان عن بعضهما تماماً.

التحدي الأول هو حقيقة أن العالم يصبح مكاناً واحداً بشكل متزايد، وهو شبكة مدهشة من التفاعلات العالمية تتقاطع مع بعضها عبر خطوط التقسيم والانفصال التي اتسم بها معظم تاريخ العالم. إن هذه الموجة المتسارعة من الترابط هي شئ عرّفناه أولا باسم "التدويل" وذلك عندما انطلق برنامج البكالوريا العالمية منذ أربعين عاما. ونشير إليه اليوم باسم "العولمة". إنه يحمل معه نعماً لا تحصى ومخاطر جسيمة، ليس أقلها خطرا من أن تصبح العولمة مرادفاً للتجانس.

لماذا يتصف التجانس على أنه خطر؟ ذلك لأن التنوع والاختلاف يشكلان إحدى أجمل نـِعم الخالق، ولأن التزاما عميقاً بخصوصيتنا يشكل جزءاً من معنى كوننا بشرا. أجل، إننا بحاجة إلى تأسيس روابط عبر الثقافات، ولكن ينبغي لكل ثقافة أن تفخر بالمعنى الخاص الذي يكوِّن ذاتها.

والجانب السلبي للعولمة هو التهديد الذي قد توجهه للهويات الثقافية.

بيد أنه يوجد أيضاً تحدٍّ ثانٍ كبيرٌ يتعزز في عالمنا. وهو من بعض الأوجه الأمر المعاكس تماماً لنبض العولمة. وأعني بذلك الاتجاه المتنامي نحو التشظي والمواجهة بين الشعوب. ففي الوقت الذي يتزايد فيه انعدام الأمن، يمكن للاعتزاز الثقافي الذاتي أن يتحول غالباً إلى مسعى لجعل ثقافة واحدة معياراً للثقافات الأخرى. فالبحث عن الهوية قد يصبح حينئذ عملية إقصاء، وهي أن نعرّف أنفسنا قليلاً بما نقف لأجله ونؤيده، وكثيراً من خلال من نكون نحن ضدهم. وعندما يحدث هذا فالتنوع يتحول سريعاً من مصدر للجمال إلى سبب للشقاق.

أعتقد أن تعايش هذين الاندفاعين القويين مع بعضهما البعض - يمكن المرء من أن يدعو أحدهما عولمة جديدة من جهة، والآخر عصبية قبلية جديدة من جهة أخرى – فإن هذا التعايش سيمثل تحديا مركزيا للقادة التربويين في السنوات القادمة . وإن هذا سينطبق بصفة خاصة على العالم النامي بتنوع هوياته المختلفة.

وكما قد تعرفون، فإن العالم النامي كان محور تفكيري وعملي طوال حياتي. ولقد ورثت تقليد الالتزام بالتعليم من جدي. لقد بدأ قبل قرن من الزمان في إقامة شبكة اشتملت على نحو ثلاثمائةِ مدرسة في العالم النامي تحمل اسم خدمات الآغا خان التعليمية، فضلا عن تأسيس جامعة عليكره في الهند.

ويعود هذا الميراث الذي أصفه لكم الآن إلى أكثر من ألف سنة، إنه يعود إلى زمن أجدادي الأئمة خلفاء مصر الذين أسسوا جامعة الأزهر ودار العلم في القاهرة. وعلى مدى قرون عديدة كان الالتزام بالتعليم عنصراً مركزياً في الثقافات الإسلامية الواسعة الانتشار. وتواصل ذلك الالتزام طوال إمامتي من خلال تأسيس جامعة الآغاخان وجامعة آسية الوسطى، ومن خلال إقامة برنامج آكاديميات الآغاخان الجديد.

وهذا ما جعل طريقنا يتلاقى مع طريقكم.

كما سمعتم، فان المنهاج التعليمي لآكاديمياتنا قد اعتمد على برنامج البكالوريا الدولية. ونأمل أن شبكة أكاديميات الآغاخان ستصبح جسراً لتوسع برنامج البكالوريا الدولية أكثر إلى العالم النامي.

كل واحد منكم يعرف جيداً طرف البكالوريا الدولية من هذا الجسر، و قد فكرت أن أضيف كلمات قليلة عن طرف الأكاديميات من هذا الجسر، وحول هدفي من إنشاء هذه الشبكة العالمية من المدارس ذات الجودة العالية.

يتجذر برنامج الأكاديميات في القناعة بأن القيادة المحلية الفعالة ستكون المفتاح للتقدم في العالم النامي، وبينما تتسارَعُ وتيرة التغيير، فإنه من الواضح أن العقل والقلب البشري سيكونان العاملين المحوريين في تحديد الثروة الاجتماعية.

ولكن حتى الآن، فإن القدرة على إيجاد قاعدة من المصادر البشرية في كثير من بلدان العالم النامي مازالت محدودة بشكل محزن. إن العديد من أولئك الناس الذين ينبغي أن يكونوا قادة الغد لا يُلتفت إليهم اليوم. وحتى أولئك الطلاب الذين استطاعوا الوصول إلى تعليم جيد، فإنهم غالباً ما يعملون على تحقيق أحلامهم في بلدان بعيدة عن ديارهم والتي لا يعودون إليها أبداً. وما ينتج عن ذلك هو اتساع الفجوة بين القيادة التي تحتاجها هذه المجتمعات وبين القيادة التي تنتجها نظمها التعليمية المتوفرة.

خلال كثير من مراحل التاريخ البشري، خُلق قادة ليستلموا مناصب بانتظارهم، أو جاهدوا ليصلوا إليها، أو دفعوا المال للحصول عليها. ولكن في هذا القرن الجديد، القرن الذي يشتمل على خطر غير معتاد ووعد مثير، يتطلب أن تخلي الأرستقراطيات الطبقية مكانها إلى أرستقراطيات الموهبة، وحتى من الأفضل استخدام مصطلح أرستقراطية الجدارة والكفاءة. أوليس من المفاهيم الأساسية للديمقراطية ذاتها أنه ينبغي أن يكون انتخاب القيادة على أساس الجدارة؟

ينبغي أن يتضمن تعليم القيادة أموراً أكثر من مجرد تطوير مهارات روتينية وحفظية. وكون المرء بارعاً في المهارات الروتينية الحفظية ليس ككونه مثقفاً. والتدريب الذي يطور المهارات مهما كانت أهميتها، مختلف عن التعليم في فن التفكير وعلمه.

إن الإغراء بغرس المهارات أكثر من التثقيف قوي بشكل مفهوم بين الناس المحبطين لمدة طويلة. وفي العديد من مثل هذه الأماكن، تتراوح العواطف الشعبية بين مرارة الصبر والتشكك اللامبالي، فلا نفاذ الصبر ولا عدم الاكتراث هما الأجواء المواتية لتشجيع الفكر العقلاني.

بيد أن في عصر التغيير المتسارع، حتى أكثر المهارات تعقيداً يعفو عليها الزمن بسرعة، وسنجد العديد من الحلفاء في العالم النامي الذين يتوصلون إلى قناعة أن أهم مهارة يمكن أن يتعلمها أي شخص هي القدرة على مواصلة التعلم.

في عالم سريع التغير، فإن الذهن المرن والقابل للتكيف، والمزاج العملي والتعاوني، والتوجه الأخلاقي القوي، هي بشكل متزايد مفاتيح القيادة الفعالة. وأود أن أضيف إلى هذه اللائحة من القدرات، القدرة على التواضع الفكري التي تُبقي فكر المرء منفتحاًَ على وجهات نظر متنوعة، ومرحباً بتبادل تعددي.

ستصبح هذه القدرات على مدى أطول ذات أهمية بالغة للعالم النامي. وصدف أن كانت هذه القدرات هي القدرات ذاتها التي صممتها برامج البكالوريا الدولية وأكاديميات الآغاخان للحث على تبنيها واستلهامها.

للأكاديميات مهمة مزدوجة: أن توفر تعليماً متميزاً لطلاب متميزين من خلفيات متنوعة، وأن توفر تدريباً عالمياً لمجموعات متنامية من المعلمين الملهمين.

في هذه الأكاديميات الثماني عشرة، تدرس كلٌ منها من 750 إلى 1200 طالب ابتدائي وثانوي، ونتوقع أن يكون لدينا معلم واحد لكل سبعة طلاب، وسنؤكد كثيرا على انتقاء المعلمين وتدريبهم وتعويضهم تعويضاً مالياً جيداً. ونأمل أن يصبحوا قدوة فعالة للمعلمين الآخرين في مناطقهم .

تحقيقاً لهذه الغاية، نتوقع فتح مراكز تطوير مهني في غضون السنة المقبلة تقريباً في الهند وبنجلادش وموزامبيق ومدغشقر. ويجري حالياً تخطيط مماثل لإقامة مثل هذه المراكز في أفغانستان وباكستان وسورية وتنزانيا وأوغندا. وستعمل هذه المراكز التدريبية المهنية قبل أن تفتح أبوابها للطلاب.

خلاصة القول، إن استراتيجيتنا تبدأ بتعليم جيد. وينبغي أن نعلم المدرسين أولاً.

عندما تفتتح الأكاديميات، الواحدة تلو الأخرى، ستتحدد سمة الانتساب إليها على أساس الجدارة، ووستقدم السكن للطلاب، وسيكون التعليم بلغتين. وتمثل هذه السياسة اللغوية رغبتنا في جمع الخاص مع العالمي. فاللغة الإنجليزية ستمكِّن الخريجين من المشاركة الكاملة على الساحة الدولية، في حين يتيح تعليم اللغة الأم للطلاب الوصول إلى حكمة ثقافتهم الخاصة.

ويتطلب التوفيق بين الخاص والعالمي رعاية وحكمة عظيمتين، وحتى بعض الاختبارات الميدانية العملية للتأكد فعلاً أنه من الممكن تطوير المناهج التي تستجيب بفعالية إلى الاتجاهين العالمي والوطني معا. في الوقت الذي يكون هذا الأمر مفخرة بحد ذاته، سيكون من المهم أيضاً التفكير جيداًَ بالاهتمامات العملية للغاية، مثل طبيعة امتحانات الدخول إلى الجامعة الوطنية في كل بلد، والمصادر البشرية المطلوبة من أجل خطط تنموية متعددة السنوات لكل بلد.

أعطت الأكاديميات الكثير من التفكير للعناصر التي سنصفها كعناصر عالمية في مناهجنا الدراسية. إننا نعتزم التركيز بشكل خاص على قيمة التعددية والأبعاد الأخلاقية في الحياة، والاقتصاد العالمي، ودراسة واسعة لثقافة العالم (بما فيها الحضارات الإسلامية) والنظم السياسية المقارنة. لقد ساعدنا معلمو البكالوريا الدولية من ذوي الخبرة على دمج هذه المجالات الهامة والمركزية ضمن المناهج الدراسية للأكاديميات.

سيدرس العديد من الطلاب لمدة سنة على الأقل في الأكاديميات الأخرى من شبكة الأكاديميات خارج بلدانهم الأصلية. وبطبيعة الحال، ينص برنامجنا أنه ينبغي تأهيل طلابنا لشهادة البكالوريا الدولية. كما ستتاح للكادر التدريسي الفرصة للعيش في بلدان جديدة، وتعلم لغات جديدة والانخراط ضمن ثقافات جديدة.

قد تسألون أنفسكم عن الأسس التي تختارها خدمات الآغاخان التعليمية وبرنامج الأكاديميات للمواد الجديدة التي ستضاف إلى المناهج الدراسية للأكاديميات، ورأيت من المفيد أن أوضح لكم هذا الأمر.

فيما يتعلق بالتعددية ، كانت لنا تجربة فهمنا منها أن عدداً كبيراً جداً من البلدان في أوروبا وآسية وأفريقية والشرق الأوسط وفي أماكن أخرى، التي فشل فيها تعايش شعوب مختلفة بسلام مع بعضها البعض، إن ذلك كان مصدراً رئيسياً للصراع بينها. وعلمتنا التجربة أيضا أن الناس لا يولدون ولديهم القدرة الفطرية والرغبة في أن يروا الآخر كشريك مساو لهم في المجتمع. فالافتخار بهوية المرء المستقلة يمكن أن يكون قوياً جداً بحيث يحجب قيمة الهويات الأخرى. والتعددية هي قيمة يجب أن تُدَرَس.

وفيما يتعلق بمسألة الأخلاق، نرى المجتمع المدني الكفء كمساهم رئيسي في التنمية، ولا سيما عندما تكون الديمقراطيات ضعيفة، والحكومات مختلة وظيفيا. لذلك فإننا مهتمون بنوعية الأخلاق في جميع جوانب المجتمع المدني، ونرفض الفكرة القائلة بأن غياب الاحتيال أو الفساد في الحكومة قد وصل إلى الحد الكافي في أي مكان كان، ليضمن بيئة مواتية نظيفة وممكنة لكل فرد من أفراد المجتمع. فالاحتيال في الطب والاحتيال في التعليم، والاحتيال في الخدمات المالية، والاحتيال في حقوق الملكية والاحتيال في تطبيق القانون، أو الاحتيال في المحاكم، تمثل مخاطر لها تأثيرها الكبير على تنمية الشعوب. وينطبق هذا الأمر بصفة خاصة على البيئات الريفية التي تسكنها أغلبية شعوب العالم النامي، حيث لا يبلغ عن الاحتيال والغش ولا يجري تصحيحه، وبكل بساطة، يتم قبوله كشرط لا مفر منه للحياة.

إن التعليم من أجل الاقتصاد العالمي سيكون ضرورياً لضمان إمكانية تبديل الأنظمة الاقتصادية الفاشلة في الماضي. ولكن هذا لا يعني القبول الساذج للاختلال والإجحاف المرتبط بالاقتصاد العالمي الجديد السائد اليوم . إننا بحاجة إلى تطوير إجماع واسع يركز على خلق بيئة اقتصادية عادلة عالمياً.

سيدرس برنامجنا أيضاً الثقافات العالمية. إن الصراع بين الثقافات ينبثق لا محالة من الجهل الثقافي المتبادل، ومن خلال محاربة الجهل ، فإننا نحدّ من مخاطر الصراع أيضاً.

أخيراً، نود تدريس الأنظمة السياسية المقارنة، بحيث يتمكن المزيد والمزيد من الناس في العالم النامي من تقديم أحكام تقديرية ملائمة لدساتيرها ونظمها السياسية، وكيفية تطوير مقارباتهم الديمقراطية بطريقة أفضل لتكون مصممة طبقاً لاحتياجاتهم. فالاستفتاءات العامة لإقرار الدساتير الجديدة، على سبيل المثال، لايمكن فهمها كثيراًً عندما تدعو أناساً لا يفهمون القضايا المطلوب منهم أن يحكموا عليها لإبداء الرأي بخصوصها، ولا يعرفون البدائل التي ينبغي أن ينظروا فيها أنها تؤثر جميعها على عدد واسع من البلدان عبر قارات عالمنا، وتعالج مشكلات تحتاج إلى عقود لحلها. وفي حين أحرزت الأكاديميات تقدماً معقولاً في تحديد مجالات واسعة من المنهاج الدراسي، إلا أنه لابد لي أن أكون صريحا في القول أن أكثر المواضيع القبلية المحلية الخاصة ببلدان معينة، أو لربما مناطق محددة، هي مجالات مازالت بحاجة إلى مزيد من المعالجة، وفي الواقع ينبغي أن نتوقع معالجتها بحذر خطوة بعد أخرى، بحيث نفصِّل القماش حسب متطلبات كل وضع فردي.

ما نأمل فعله هو باختصار شبكة من ثمانية عشر مختبراً تربوياً، تتشارك جميعها بهدف عام مهيمن، ولكن كل واحد منها يتعلم من تجارب الآخرين الخاصة.

لقد تم افتتاح أكاديمية الآغاخان الأولى قبل أربع سنوات في كينيا، وأكملت أول دفعة من خريجي شهادة البكالوريا الدولية دراستها في حزيران الماضي . إن نوعية العمل الأكاديمي للطلاب بما فيه نجاحهم في امتحانات البكالوريا إلى جانب سجلاتهم في خدمة المجتمع، تجعلنا متفائلين بخصوص المستقبل.

عندما نتحرك باتجاه ذلك المستقبلٍ، نود التعاون مع حركة البكالوريا الدولية في مغامرة صعبة ولكنها مغامرة تعليمية جديدة ملهمة. يمكننا معا التعاون في إعادة صياغة تعريف حقيقي للمواطن العالمي المثقف جيدا. وبإمكاننا بدء تلك العملية بردم الفجوة التعليمية التي تقع في قلب ما دعاه البعض صدام الحضارات، والذي شعرت دائماً أنه صدام الجهل.

ألا ينبغي أن نتوقع في السنوات المقبلة، من طالب مدرسة البكالوريا الدولية في أتلانتا أن يعرف عن جومو كينياتا أو محمد علي جناح، بمقدار ما يعرفه طالب في مومباسا أو لاهور عن ابن أتلانتا العظيم، القس الدكتور مارتن لوثر كينغ؟ ألا ينبغي على طالب البكالوريا الدولية البنجلادشي يقرأ أشعار طاغور في أكاديمية الآغاخان في داكا أن يقرأ أيضاً أعمال الحائزين على جائزة نوبل في الآداب أمثال الروائي التركي أورهان باموك أو ويليام فوكنر الأمريكي أو توني موريسون؟

ألا ينبغي أن تتضمن دراسة الهندسة المعمارية للعصر الوسيط دراسة عن كل من كاتدرائية شارتر في فرنسا ومسجد جين في مالي؟ ألا ينبغي على طلاب العلوم في البكالوريا الدولية أن يدرسوا عن ابن الهيثم، العالم المسلم الذي طورعلوماً حديثة في البصريات، وأن يدرسوا أسلافه إقليدس وبطليموس الذي تحدى أفكارهما.

بما أننا نعمل معاً لردم الهوة بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، بين الاقتصاد النامي والاقتصاد المتطور، بين المناطق الريفية والحضرية، سيكون علينا إعادة تعريف ماذا يعني أن تكون مثقفاً جيداً.

إن خلق التوازن بين الخصوصية والعالمية هو تحدٍ قديم، فكرياً وعملياً. ولكن قد يصبح تحدياً أكثر صعوبة مع مرور الزمن، ومع تواصل تقلص كوكب الأرض. على كل حال، غالباً ما يختلف الحديث عن التفاهم الثقافي عندما يعيش "الآخر" في الطرف الآخر من العالم، عنه عندما يعيش "الآخر" في الطرف المقابل من الشارع.

إنني معجب برغبة منظمة البكالوريا الدولية بمواجهة تحديات عصرنا الثقافية، والانتقال إلى أنحاء العالم ومناطق من المجتمع حيث كانت أقل نشاطاً فيها في الماضي. بيد أنه ينبغي علينا جميعا أن نكون واضحين ونحن نباشر مثل هذه المشاريع، حيث أن الناس الذين سنتعامل معهم يمثلون تحديات مختلفة عما قبل. وعندما ينبغي أن نختار فرصنا المنشودة يجب أن نتفحص البيئات وندرس بعناية التغيرات التي يمكن أن تجعل البرامج أكثر صلة في المستقبل.

يقول لنا بعض الناس أن العولمة هي عملية لا مفر منها. وهذا قد يكون صحيحاً في بعض مجالات محددة من النشاط، ولكن ليس هناك شيء لا مفر منه فيما يخص عولمة المناهج والمعايير التعليمية. إن تصور نظام عالمي للامتحان هو من أصعب المساعي الفكرية التي يمكن أن أتخيلها، على الرغم من أنه ينبغي أن يكون من أكثر الأمور إثارة. فقد يُبقي الحافز الفكري للعمل في هذا المشروع، أفضل مربّي العالم منخرطين فيه طيلة عقود من الزمن. وإن هذه المهمة قد تكون أكثر قابلية للتحقيق بسبب الانطلاقة الرئيسية التي قامت بها منظمة البكالوريا الدولية بالتفكير في منهج دراسي عالمي. إن خبرة منظمة البكالوريا الدولية مستقلةً عن أكاديميات الآغاخان، وكذلك محاضرات بترسون لديكم خلال السنين الماضية، قد هيأت أساساً ممتازا لتلك العملية.

بما أن البكالوريا الدولية تتجاوز الثقافات اليهودية-المسيحية، حيث لديها الخبرة الأكبر يتوجب عليها ضم المربين في مناطق أخرى من العالم ليكونوا أحدث الأعضاء المساهمين في منظمتها. وقد يعني هذا تطوير تعابير أكثر وضوحاً تتعلق بالأخلاقيات العالمية وتستند إلى قيم إنسانية عالمية إن أمكن. ويمكن أن يتم ذلك عبر عملية متدرجة ومتطورة بشكل دائم، عملية تكون شاملة بشكل متزايد ولكن قد لا تكون كاملة.

ماذا يعني، على سبيل المثال، أن يُطبق برنامج البكالوريا الدولية في مجتمعات ريفية على نطاق واسع، حيث لا توجد المصادر البشرية والحوافز المادية لدعم التعليم الجدي والمستدام؟ ماذا يعني تطبيق التفكير النقدي والأحكام الفردية في مجتمعات تجذرت في الاعتياد على مراعاة رأي كبار السن وذوي السلطة والقواعد والطقوس.

ما هو المطلوب من منظمة عميقة الجذور في التقاليد الإنسانية الغربية لتتحدث وتربط هذا الموضوع مع مواقع ثقافية غير غربية بشكل كامل؟ وكيف ينبغي لنا أن نتعامل مع تحديات التربية الأخلاقية المنبثقة عن القيم العالمية في أماكن حيث الولاء الديني والإيديولوجي قوي على نحو خاص.

أطرح هذه الأسئلة ليس لأن لدي أجوبة جاهزة عليها، ولكن لأنني أعتقد أن طرح مثل هذه الأسئلة سيكون أمراً جوهرياً لتقدمنا. أطرحها ليس لتثبيطكم عن الوصول إلى أجوبة عليها، ولكن بالأحرى، لتشجيعكم عندما تسعون لذلك أن يكون ذلك على أساس فهم كامل للمخاطر والقيود التي ستواجهونها لا محالة.

أعتقد أنه بإمكاننا إيجاد أجوبة على هذه التساؤلات، قد لا تكون كاملة وتامة، ولكن على الأقل ستوجد إجابات أولية، وأجوبة مؤقتة، وأجوبة عملية. وكل خطوة على الطريق ستعلمنا أكثر.

وما هو جوهري هو أن نبحث.

في التحليل النهائي، ستكون مشكلة البشرية الكبرى في عصر العولمة تحقيق التوازن والتوفيق بين الاتجاهين اللذين تحدثت عنهما: البحث عن الهوية المتميزة والبحث عن الترابط العالمي. وما يتطلبه منّا هذا التحدي في النهاية هو الشعور العميق بالتواضع الفردي والفكري، والفهم بأن التنوع نفسه هو هبة إلهية، وقبول التنوع هو السبيل للتعلم والتطور، وليس السبيل إلى تمييع هوياتنا، بل لإثراء المعرفة بالذات.

إن ما هو مطلوب يتجاوز مجرد التسامح والتعاطف وتحسس قضايا الآخرين، فالعواطف التي تظهر إلى حيز الوجود تنبثق عن نفس كريمة. إن الحساسية الثقافية الحقيقية هي شئ أكثر صرامة، وحتى أكثر فكراً من ذلك. إنها تعني ضمناً الاستعداد للدراسة والتعلم عبر الحواجز الثقافية، والقدرة على رؤية الآخرين كما يرون أنفسهم. هذه مهمة شاقة، ولكن إذا قمنا بها، فإننا سوف نكتشف أنه بالإمكان التوفيق بين العالمية والخصوصية. وكما يقول القرآن: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" (49: 13). إن اختلافاتنا هي التي تحدد هوياتنا وتربطنا مع بعضنا البعض.

إنني لعلى ثقة تامة بأن برنامج البكالوريا الدولية سيواصل النجاح بينما تمتد قيادته إلى مناطق جديدة في العقود الآتية. ولكن عندما يحدث ذلك، سيكون بفعل متغيررئيسي هو الروح التي من خلالها نتناول هذه الالتزامات الجديدة.

سيكون هناك إغراء قوي لنا للنظر إلى هذه الحدود الجديدة كأماكن يمكن أن نجلب إليها هدية خاصة من المعرفة المتراكمة والحكمة الناضجة. ولكن أود التحذير من هذا التأكيد في القول. إن أهم سبب بالنسبة لنا للتمسك بهذه الفرص الجديدة لا يكمن فيما يمكن أن نحقق فيها، بل فيما يمكننا التعلم منها.

وشكراً جزيلاً لكم.