Speech

خطاب سمو الآغا خان في مراسم تأسيس أكاديمية الآغا خان في مابوتو

سمو الآغاخان
ماتولا، موزمبيق
25 حزيران، 2004
 
 
 فخامة الرئيس شيسانو،
سعادة رئيس مجلس النواب،
سعادة رئيس الوزراء،
الوزراء المحترمون،
المحافظ المحترم،
أصحاب السعادة،
أيتها السيدات أيها السادة،
 

هل من مناسبة يمكن أن تعبر عن هدف أسمى من ذلك الذي نأمل بتحقيقه بوضع الأساس لمدرسة تتطلع إلى حث طلابها على استكشاف آفاق تتخطى حدود تفكيرهم، وتطور مرونتهم العقلية، وتكتشف روابط التعايش التي تتجاوز اختلافات الثقافة، والانتماء العرقي، والدين، والخلفية؟

أنا- لهذا السبب- في غاية السعادة والامتنان لقبول فخامة الرئيس شيسانو دعوتنا لوضع حجر الأساس لأكاديمية الآغاخان في مابوتو وتحديداً هنا في مدينة ماتولا.

لقد كنتم يا فخامة الرئيس الداعم الوفي للأكاديمية والروح التي أحيت فكرتها ولهذا السبب فإن وجودكم معنا اليوم ما هو إلا مصدر سعادة فائقة لكل من له علاقة بأكاديميات الآغاخان وإلى ما تطمح هذه الأكاديميات لإنجازه خدمة للمجتمع.

كما أرحب أيضاً بحضور السيدة لويزا ديوغو المحترمة رئيسة الوزراء؛ وزيرة التخطيط والمالية، وبزملائها في مجلس الوزراء الدكتور ليوناردو سيماو المحترم وزير الشؤون الخارجية، السيد السيديو نغوينها وزير التعليم. كما أنني ممتن أيضاً للسيد كارلوس تيمبي المحترم، محافظ ماتولا لحضوره هنا اليوم.

أغتنم هذه الفرصة لأعبر عن شكري لدعمكم القوي وتشجيعكم الدائم كما أشعر ومعي شبكة الآغاخان بالامتنان الكبير لحكومة موزمبيق لتعاونها المستمر في تخطيط وتطوير الأكاديمية.

إنه لشرف وسعادة كبيران بالنسبة لي أن أكون في موزمبيق بالتزامن مع احتفالاتها السنوية بعيد الاستقلال وفي هذه المناسبة أقدم أحر التمنيات والتهاني القلبية لشعب موزمبيق الذي معه ينعم المجتمع الإسماعيلي والإمامة الإسماعيلية بتاريخ طويل من المودة والصداقة حيث يعود تاريخنا المشترك عقوداً عديدة إلى منتصف القرن التاسع عشر عندما بدأ المسلمون الاسماعيليون بالاستقرارعلى طول الساحل الشرقي لأفريقية.

لقد عانت هذه القارة من تاريخ مؤلم من الأزمات والنزاعات وقد كان لموزمبيق نفسها نصيب من الأذى الذي منه خرجت منذ اثني عشر سنة، متحدة في عزمها على تكريس مدخراتها من الطاقة والإبداع في مواجهة تحدي إعادة البناء. في الواقع يُنظر إلى موزمبيق تحت قيادة الرئيس شيسانو كواحدة من أكثر النماذج العملية والمنفتحة والتي تُقاد بحكمة في العالم في عملية إعادة البناء في فترة ما بعد الأزمات.

تؤكد النظرة العملية والانفتاح أهمية الخبرة الاختصاصية والتمرس في مقاربة تحديات التطوير. إن فلسفات ما بعد الاستعمار، بالإضافة إلى الفلسفات القومية والاقتصادية والسياسية والتي غالباً ما ارتبطت بالحرب الباردة، سعت للتلقين أكثر منه إلى التعليم وإن ما حدث في الاتحاد السوفيتي السابق يحدث في العديد من الدول النامية في أفريقية وآسية.

يدرك العالم النامي الآن وبشكل متزايد بأن هناك حقولاً من النشاط القومي خصوصاً الاقتصاد والتعليم تتطلب قيادة متفانية من اختصاصيين خبراء غير مثقلين بأعراف العقائدية البالية. إن التحديات الاقتصادية الآن والتي يُواجهها الاتحاد السوفيتي السابق والعديد من الدول النامية هي إنذار صحي ضد إيكال إدارة الاقتصادات القومية إلى إيديولوجيات سياسية بدلاً من الاقتصاديين المحترفيين.

غالباً ما اُستخدم التعليم بعد الاستقلال في الدول النامية لرعاية وعي أعمق بالهوية القومية مع نزعة خاصة للتركيز على تعزيز اللغات القومية. لكن عندما تحول هذا إلى شكل إقصائي أصبح الانعزال الناتج عائقاً خطيراً. كيف يمكن لشخص ما أن يُعلّم الطلاب التوجه نحو بيئة عالمية مستخدماً لغة ليس لها انتشار عالمي؟ لقد أُخذت الدروس. واليوم على الرغم من ابقاء استخدام اللغات القومية _في العديد من الحالات_ في المرحلة الابتدائية فإن الأنظمة التعليمية في البلدان النامية تقوم بتوفير التعليم واستخدام اللغة الانكليزية في المراحل الثانوية والتعليم العالي بشكل متزايد لذلك يصبح الطلاب قادرين على الوصول إلى العالم وفرصه.

إن انتصار النظرة العملية والخبرة المهنية على الإيديولوجية هو الآن نظرة مقبولة في حقل التعليم حيث يُنظر للتعليم في أي تجربة طويلة الأمد وضرورية ضمن رؤية عامة على أنه قوة فعالة نشيطة في أي استراتيجية للتطور القومي.

حتى الآن وضمن الموارد القومية الضئيلة الممنوحة وأعمال تدفق الإمدادات غير المدروسة يبقى التعليم النوعي الجيد تحدياً مخيفاً بالنسبة لمعظم البلدان النامية. إن كلاً من الأعداد الكبيرة للطلاب في الصف والنوعية المتواضعة من التعليم في المدارس, كل ذلك يعكس النقص الكبير في المعايير في كل الأنظمة التعليمية القومية بما فيها وبشكل خاص النظام التعليمي في الجامعات.

لحسن الحظ تبدأ الآن الحكومات في كل مكان بتقدير مساهمة الجهات المانحة الخاصة غير الربحية في الخدمات الاجتماعية تبدأ في مواجهة تحديات القيم الإحصائية المتوقعة المتصاعدة التي تزيد تاريخياً الاحتياجات غير المتوفرة. وفي هذا السياق يُنظر للشراكات الدولية في التعليم وبشكل متزايد على أنها أدوات لتقديم أفضل الوسائل المجربة والمختبرة؛ فهي تزيد نسبة المال المساهم في الموارد الضرورية الكثيرة للاستثمار في النوعية وخصوصاً في المستويات الثانوية والعليا وبذلك فإن المؤسسات التعليمية تكون قادرة على إعداد أفضل العقول في بلدانهم.

إن الاعتقاد بأن القيادة الفكرية المطورة محلياً والتي تسعى لتحقيق مكانة استثنائية هي الدافع الأفضل لتقرير مصير أي مجتمع يعزز مسعى الإمامة الاسماعيلية لخلق مراكزتحفيزية للتفوق التعليمي. افتتح أولى هذه المراكز في كانون الثاني الماضي في مومباسا في كينيا. ستكون أكاديمية الآغاخان في مابوتو الثانية في شبكة مخطط لها وآمل أن تضم مدارس داخلية بأعلى المعايير الدولية من الابتدائية حتى التعليم الثانوي. وفي الوقت المناسب ستنشأ أكاديميات أخرى ليس فقط في كينيا وموزمبيق لكن أيضاً في تنزانيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر ومالي والهند وباكستان وبنغلادش وأفغانستان وطاجكستان وقرغيزستان وسورية.

إن في التبني الدولي لأطر منهاج محققة دولياً لكنها مرنة تتطور المدارس الداخلية مع الوقت إلى نظام متكامل سيُطلب من خلاله من الطلاب الذين حققوا تقدماً بالإضافة إلى الهيئة التدريسية الدراسة في كليات أخرى والانفتاح على بيئات اجتماعية وعرقية وثقافية مختلفة. سيتخصص الطلاب في حقول المعرفة التي يلزم معظمها لتطوير مجتمعهم الخاص ولتطوير المجتمعات المجاورة ضمن سياق التعليم الهادف والواضح. سيتضمن المنهاج التعليمي العلوم والدراسات الإنسانية بما فيها الموسيقى والفنون, بينما سيتجه تدريس التاريخ والحضارات العالمية إلى تصويرالتراث العالمي بطريقة أكثر شمولية وتوازناً. مثلاً سيتضمن برنامج الدراسات الإنسانية دراسة الحضارت الإسلامية والتي غالباً ما تم تشويهها أو تجاهلها خصوصاً في العالم الصناعي.سيضم المنهاج بالتماشي مع مدى التأثير العالمي معرفة كاملة لأكثر من لغة واحدة لذلك, وبينما ستكون اللغة الإنكليزية وسيلة التعليم, سيشجع الطلاب أن يكونوا ثنائيي اللغة وربما ثلاثيي اللغة، كما سيتفوقون أيضاً في استخدام تقنيات المعلومات الحديثة لتمكنهم من الوصول إلى معظم الأسس المعرفية العالمية المتطورة.

إن أملي وفوق كل اعتبار أن تحث هذه المدارس على الإبداع وحب الاستطلاع الثقافي والبحث المخلص مما يمكن طلابها من التكيف، والتقدم في عالم التغير السريع، واتخاذ قرارات موثوقة مبنية على معلومات وتحديات الحياة اليومية، ووضع تلك الآراء في إطار أخلاقي.

ولهذا السبب لن تعتمد طبيعة الأكاديميات الثقافية والأخلاقية فقط على تصميم المنهاج لكن أيضاً على النوعية وتفاني المدرسين الذين بدورهم عليهم أن يحصلوا على دعم الأولياء وإدارة المدرسة والمجتمع نفسه؛ لذلك فإن الهدف الرئيسي للأكاديميات هو إعادة المكانة الخاصة والمؤثرة لمهنة التدريس وبذلك يستفيق أجيال المستقبل من الرجال والنساء المتعلمين على رؤية التدريس فرصة فعالة، مربحة وعظيمة في الحياة. سيكون للأكاديميات تجهيزات مدروسة ودائمة لمساندة المدرسين الخلاقين في رغبتهم في الاستمرار بتحسين ظروفهم ذاتياً ولتشجيع تطويرهم بالتعاون مع معهد التطوير التعليمي التابع لجامعة الآغاخان.

إن الأكاديميات ونظراً لالتزامها بالتفوق ستقبل فقط الطلاب على أساس الجدارة والتي هي التميز الفكري و القدرات الشخصية والقابلية والرغبة في التعلم؛ لذلك يجب على المدارس أن يكون لها القدرة على اختيار الطلاب بدون الأخذ بعين الاعتبار لإمكانية أسرهم على دفع رسوم المدرسة.

إن مباني وأماكن الأكاديميات ستسعى لتقديم بيئة معبرة جمالياً تقود إلى التفكير العميق والدراسة والاستمتاع ضمن بيئة ثقافية مناسبة.

لا يمكن أن تنجح أي مدرسة بمفردها. فمع مرور الوقت ستصبح هذه الأكاديميات ينابيع حيث تنهل كل واحدة من الأخرى وستستفيد من خلال شبكة الآغاخان للتنمية من الموارد المبرمجة والفكرية لجامعة الآغاخان وجامعة آسية الوسطى. بالإضافة إلى ذلك سيكون للأكاديميات حرية الوصول إلى الخبرة ووسائل المنهاج التابعة لمدارس عالمية رئيسية متقدمة كأكاديمية فيليبس في الولايات المتحدة الأمريكية وسالم في ألمانيا واللتان تشتركان مع شبكة الآغاخان للتنمية ضمن شراكة دولية أكاديمية.

ضمن الحقائق التاريخية العظيمة تلك التي تقول بأن أي مجتمع يكون فقط قادراً على التقدم نحو آفاق أكثر تجدداً ونحو تميز مستقبلي أكبرعندما يتغلب على ضيق الأفق ويدرك أن القوة تكمن في الاختلاف. لذلك فإنه وعلى الرغم من التوترات والصراعات التي تمزق كوكبنا فإن المجتمع الإنساني المؤثر في المستقبل هو ذلك الذي ينتمي لتلك المجتمعات التي تؤمن بالتعددية، هومجتمع يدرك ويقبل ويؤسس للتنوع. ستسعى الأكاديمية في مابوتو كغيرها من نظرائها في كل مكان لإظهار الدور المساعد الذي يمكن للتعليم أن يقوم به, بل يجب ذلك في بناء مجتمعات مدنية قوية على امتداد العالم النامي. ستكون هذه المؤسسات، كتلك التي نضع أساساتها اليوم، قوة محركة نحو التقدم والإصلاح حول العالم.

إن التعليم الذي ستقدمه الأكاديميات سيخلق حالة نحو رؤية عالمية مؤيدة للتعددية، وهوالقادر على تقدير الاختلافات في الرؤية والإنتماء العرقي والدين والثقافة. أجل فهذا لمصلحة العدالة والانصاف- ولكن سيتحقق هذا أيضاً بسبب الطبيعة المنفتحة نحو التعددية التي تساعد على الإبداع والرغبة في المعرفة والبحث عن الحقيقة بغية النجاح في المشاركة بأفضل المعارف والقدرات الإنسانية والتي منها ينشئ فرد أو مجموعة.

أسس أسلافي الخلفاء الفاطميون الأئمة في مصر منذ ألف سنة جامعة الأزهر ودار العلوم في القاهرة. إن اكتشاف المعرفة ينظر إليه في التراث الإسلامي كوسيلة للفهم للعمل بشكل أفضل لخدمة مخلوقات الله ولاستخدام المعرفة والعقل لبناء المجتمع وتجسيد الطموحات الإنسانية.

لذلك فإن الأكاديميات هي عبارة عن إعلان دائم عن هذه الرؤية وتعبير عن الإيمان الكبير في قدرة التعليم الجيد و توظيفه في تطوير أفضل العقول التي ستمكن الأجيال القادمة من تولي تقرير مصيرها.

شكراً