تطبيق المبادئ-حكم"الوقف"في المجتمع الإسلامي المبكر حسن الخوئي

هذه نسخة منقحة من مقالة نشرت أصلاً في "المجلة الإسماعيلية"في ديسمبر(كانون الأول)-2010وفي مارس(آذار)-2011

موجز:

[يورد الكاتب في هذه المقالة آيات قرآنية وأحاديث نبوية للنبي محمد(ص) وأمثلة من السنة النبوية ليضيء على أهمية المبادئ الأخلاقية من وجهة نظر الإسلام في كل مناحي الحياة بما فيها إعطاء الصدقات ومساعدة الفقراء والمحتاجين وإعانة غير القادرين على العناية بأنفسهم، وتكشف المقالة أيضاًأهمية "الوقف" وخاصة لدى المسلمين الشيعة.

"الوقف":هو وثائق قانونية تضع ممتلكات ومصادر محددة كهبة دائمة لاستخدامها في سبيل تحسين المجتمع.]

إن مبادئ الرعاية والسخاء متجذرة في نسيج الحضارة الإسلامية، وتظهر جلية في الحياة اليومية للنبي محمد(ص)، وهذه المبادئ الروحية مستمدة من الإيمان بأن الله حمّل الناس بشكل عام والمؤمنين بشكل خاص المسؤوليات والواجبات، يقول تعالى "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" (سورة البقرة-الآية29) معلناً آدم "الإنسان" ليكون ممثل الله على الأرض، ويكمن في نعمة هذه الولاية التزامه أن يعمل على تحسين حياة الأقل حظاً، والمسلمون موحدون في إيمانهم بهذه المواثيق المتوارثة وملتزمون بتحمل واجباتهم في الرعاية والسخاء.

منذ البدايات الأولى للتاريخ الإسلامي فإن كثيراً من القيم الأخلاقية التي استمدت من القرآن الكريم وتعاليم  النبي محمد(ص) أدت إلى تطوير مؤسسات مولت بالإيمان وكرست لتحسين حياة المجتمع.

لقد جعل القرآن الكريم تقديم الرعاية الاجتماعية التزاماً فردياً والكثير من الآيات القرآنية تحث الناس على تلبية حاجات الفقراء والمحتاجين، أما الذين يجمعون الثروات متجاهلين مسؤولياتهم تجاه الفقراء فقد وبّخهم الله تعالى بقوله مخاطباً أهل مكة: "أرأيت الذي يكذب بالدين*فذلك الذي يدعّ اليتيم*ولا يحضّ على طعام المسكين*" (سورة الماعون_الآيات 1-2-3)، وبالمقابل فقد خصّ الله الذين ينفقون بسخاء بالتقديرالأعلى.

لقد قام النبي محمد(ص) بتطبيق المبادئ الشاملة للتعاطف والتراحم والرأفة والرحمة والاحترام، ومن  تعاليمه أن المؤمن يجب أن يسأل عن جاره قبل نفسه، كما حث الله تعالى في القرآن الكريم المؤمنين على مساعدة المسافر وحيداً في الطريق، كما أكد أن منح الصدقة وطهارة النفس متلازمان، حتى أن التعبير القرآني للصدقة يحمل معنى الصدق والإخلاص.

وكمثال حي على المبادئ القرآنية الروحية فإن النبي محمد(ص) والأئمة الشيعة قد دعموا بحماس فضائل الرعاية والسخاء والرحمة، وكثير من المسلمين الأوائل الذين استجابوا لدعوة النبي محمد(ص)كانوا من المهمشين وسط مجتمعاتهم التي كان يحكمها الطمع، ومثّل النبي لهم نموذجاً للحب والرحمة، قال تعالى مخاطباً النبي محمد(ص): "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (سورة الأنبياء-الآية 107)، حيث كانت أعماله نابعة من تقديره للآخرين.

هذا التأكيد على واجب الرعاية تجاوز الفردي ليصبح واجباً على المجتمع ككل، مجتمع المؤمنين، الذي سماه القرآن الكريم "الأمّة" ، كياناً واحداً موحداً برابطة الإيمان. وكثيراً ما انّب الله ليس الأفراد فقط بل المجتمعات ككل على فشلها في واجبها تجاه الأفراد الأقل حظاً، وقد خاطب أهل مكة في حقبة ما قبل الإسلام بقوله تعالى: "كلا بل لا تكرمون اليتيم*ولا تحاضّون على طعام المسكين* وتأكلون التراث أكلاً لمّاً*وتحبون المال حباً جماً*" (سورة الفجر-الآيات 17-20).

بتشكل المسلمين كأمة ذات نظام واحد،ألزم الله والنبي محمد(ص) المجتمع بالقيام بالعمل الصالح وتحمل المسؤولية لتحقيق الهدف من مفهوم "الأمة"، قال تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (سورة آل عمران-الآية110).

طورت المجتمعات الإسلامية المتعددة التي ظهرت عبر قرون متتالية مؤسسات تم من خلالها تطبيق مبادئ الرعاية والرحمة ومسؤوليات المجتمع بشكل عام.وبشكل مماثل فقد استمر الأئمة الشيعة في تعليم أتباعهم فضائل المبادئ الجوهرية للإيمان، وكان واجب إعطاء الصدقة مقرراً بدفع "الزكاة" إضافة إلى أن المجتمعات الشيعية حافظت على دفع "الخمس"(وهو واحد من خمسة من كل أنواع الدخل الفردي) إلى الإمام، وحسنوا بذلك فكرة الواجبات والمسؤوليات، بالإضافة إلى أن أحد مظاهر إعطاء الصدقات هو "الوقف" والذي برز كطريقة يمكن للمجتمعات ككل أن تحول من خلالها تلك المسؤوليات إلى عمل يتخذ طابعاً مؤسسياً.

"الوقف"هو وثيقة قانونية تخصص ملكية أو مصادر محددة كهبة دائمة، وكلمة "الوقف" تعني حرفياً (المتوقف) أو غير( المتحرك)، وهو تصريح من أحد الأفراد - يكون مكتوباً دائماً - أن ملكية محددة  قد تكون أموالاً أو أرضاً أو عقاراً سوف تعطى بشكل دائم كأمانة لاستخدامها في تحسين وضع المجتمع، وبناءً على ذلك فإن كثيراً من الأفراد في العالم الإسلامي تبرعوا بعقاراتهم وممتلكاتهم لاستخدامها في بناء دور للعبادة ومراكز للتعليم ولتقديم الرعاية الصحية وتخديم التجارة وتمويل وصيانة المناهل (سبل-جمع سبيل- وهي منشآت تقدم الماء مجاناً للجميع) وإنشاء الخانات التي تستضيف الحجاج ولتقديم سلسلة من المؤسسات لحماية المحتاجين والمستضعفين.

إن تنظيم "الوقف"في مؤسسات قدم الوسائل للمجتمع للحفاظ على واجباته الجماعية في إقرار مبادئ الرعاية والرحمة.

في كثير من المجتمعات الإسلامية فإن معظم خدمات الرعاية الاجتماعية كانت مركّزة حول أماكن العبادة، ويقدم المسجد النبوي مثالاً نموذجياً لذلك،حيث كان النبي كمرشد للمؤمنين يعلم أتباعه تعاليم الإيمان وفي الوقت نفسه كان هناك العديد من الأنشطة تقام في فضاء هذا الحرم المخصص للعبادة كل منها يركز باتجاه تحسين أوضاع أفراد "الأمة"، كان الطعام يحضّر ويقدّم للمحتاجين عند جدرانه، وكانت تنفق الأموال للسائلين، وكان مسجد النبي محمد(ص) يؤمّن المأوى للباحثين عن ملاذ.

ومع مرور الوقت أصبحت المساجد وزوايا الصوفيين والمقامات وأماكن العبادة المختلفة المنتشرة من المغرب إلى الصين، أصبحت كلها مراكز تقدم من خلال المجتمعات الإسلامية الوسائل للتعامل مع حاجات المجتمع.

إن العدد الوافر من أماكن العبادة التي بنيت وحفظت لتكريس التفاني الروحي للأمة والذي أصبح ممكناً بفضل إشهار أماكن مختلفة للوقف ازدهرت حول جدرانها مؤسسات كرست لتقديم الرعاية المادية والفكرية والروحية للمؤمنين وللآخرين الذين يعيشون بينهم.

وحفاظاً غلى القيم القرآنية فإن النبي محمد(ص) والأئمة قدروا العلم وأعطوا للمعرفة مكانة رئيسية بارزة في الحضارات الإسلامية.

شهدت القرون الوسطى انتشاراً مميزاً لمعاهد التعليم، فالمدارس نفسها بدأت غالباً كغرف مساعدة في المساجد، كانت المعرفة تقدّر تقديراً عالياً وكانت تكرّس المصادر اللازمة لتقدمها.

عدد كبير من الأوقاف عبر الأقاليم الإسلامية قدّ م الرواتب والمسكن والطعام والكتب والمخطوطات لتمويل المدارس والجامعات والمكتبات ولتدريب المعلمين ومساعدتهم في تقديم العلم للمجتمع.

"دار الحكمة" التي بناها الإمام الفاطمي الخليفة "الحاكم بأمر الله" في القرن الحادي عشرالميلادي كانت مثالاًعلى هذا المسعى، حيث *[ أمر الخليفة الحاكم بأمر الله أن تجلب إليها المخطوطات في كل مناحي العلم والثقافة،وسمح بدخولها لجميع الناس من مختلف مناحي الحياة،سواء أرادوا قراءة الكتب أو التعمق فيها، تلك التي اعتبرت مقدسة، وتلك التي لم يسمع بها أحد من قبل، كما أنه خصص رواتب كبيرة لكل من عينوا من قبله لتأمين هذه الخدمات كالفقهاء وغيرهم. أناس من مختلف مناحي الحياة زاروا الدار ،بعضهم ليقرأ الكتب، وآخرون لنسخها وكذلك آخرون للدراسة، كما تبرع بكل ما يحتاجه روّاد المكتبة؛الحبر والكتابة والقراءة والورق والمحابر.]

إن التزود بالمعرفة فتح طريقاً لتنمية الروح والعقل، وقيم الإسلام في الرعاية الاجتماعية شملت الرعاية الصحية التي صارت مسؤولية عامة.

إن سيرة مختلف الأنبياء والأئمة تضيء على قصص كثيرة عن رأفتهم بالمرضى.

إن الالتزام بتقديم الرعاية للمرضى شجع على تطور العلوم الطبية في العالم الإسلامي في أوائل القرون الوسطى وأصبحت لها مؤسسات وأبنية خاصة(بيمارستان، دار الشفاء0000)عبر العالم الإسلامي، وبوجود "الوقف"فإنه في بداية القرن التاسع الميلادي بنيت في بغداد مستشفيات لتقديم الرعاية والدواء للمرضى، وحتى القرن العاشر بدأت مراكز الرعاية هذه بإرسال أطباء مدربين إلى المناطق الريفية مصحوبين بصيدلية متنقلة لصرف الأدوية لغير القادرين على السفر إلى مراكز المدن.

بنيت في المدن الكبرى من العالم الإسلامي مستشفيات كبيرة مثل "بيمارستان نور الدين" الشهير في دمشق . وكان يعطى الكساء والرعاية للأشخاص الذين تشخص أمراضهم بالخطيرة. وكثير من وثائق "الوقف" التي ساهمت في إنشاء تلك المشافي اشترطت أن تكون أبوابها مفتوحة للغني والفقير بغض النظر عن العرق والدين والجنس.

إن تقديم الثقافة والرعاية الصحية هما فقط مجالان تقوم من خلالهما مؤسسات المجتمع الإسلامي بتطبيق مبادئها التي وضعها القرآن الكريم والنبي محمد(ص) في الرعاية والرحمة والاحترام والسخاء، وإلى ذلك فإن مؤسسة "الوقف"أتاحت انتشاراً مكثفاً لهذه الخدمات الممولة من المجتمع المحلي إلى المجتمع الأوسع.

قدمت المياتم والملاجئ الاحتياجات الأساسية لعدد كبير من الناس الأقل حظاً، وكثير من عامة الناس في المدن اعتمدوا على السواقي والمناهل لتأمين مياه الشرب الصالحة، كما خصص "الوقف" البحيرات والنواعير لتشجيع الزراعة، وبنيت محطات الطرق والخانات لتخديم طرق التجارة وتجمع الحجاج.

إن مبدأ المسؤولية العامة قد امتد أبعد من تقديم الخدمات الضرورية ليشمل تطوير مختلف وجوه الحياة.

يحضّ الله تعالى في القرآن الكريم المؤمنين على الإقرار بأن رخاءهم وثروتهم إنما تنمو وتزدهر ببركة الله فقط، ويعلمهم أن الأغنياء والمنعمين يجب أن يحمدوا الله ويشكروه على نعمته، هذا الشعور بالامتنان كان جزءاً مكملاً للعهد القائم بين الله و"الأمة" والذي يتطلب من المؤمنين ليس توثيق هذا الامتنان فقط بل المسارعة إلى توزيع هذه النعمة على الآخرين وخاصةً المحتاجين، ورسالة القرآن الجلية أن الإيمان والعمل الصالح يجب أن يكونا متلازمين، "وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات" (سورة البقرة-الآية25).

إن الترابط بين بين الإيمان والعمل الصالح وارد في القرآن الكريم حيث يحثّ الله الناس على عمل الخير، "فاستبقوا إلى الخيرات" (سورة البقرة-الآية148)

إن نظام "الوقف" يقدم نموذجاً لقدرة المجتمعات الإسلامية على الحفاظ على التزاماتها والقيام بواجباتها في الرعاية والسخاء على كل أفراد المجتمع، وهذه الالتزامات كانت مصداقاً للقيم القرآنية التي عملت على إغناء "الدين" و"الدنيا" للمؤمنين.

*حاشية:هاينز هالم"الفاطميون وتراثهم في التعليم"  I.B.Tauris - (معهد الدراسات الإسماعيلية- لندن-1997)ص73-74.

 

ترجمة راجي شحود

 

موجز:

يورد الكاتب في هذه المقالة آيات قرآنية وأحاديث نبوية للنبي محمد(ص) وأمثلة من السنة النبوية لإلقاء الضوء على أهمية المبادئ الأخلاقية من وجهة نظر الإسلام في كل مناحي الحياة بما فيها إعطاء الصدقات ومساعدة الفقراء...