خبر صحفي

خطاب حفل التخرج الذي ألقاه الأمير رحيم آغاخان في حفل تخريج طلاب معهد الدراسات الإسماعيلية

11/09/2007

بسم الله الرحمن الرحيم


الضيوف المميزون، لجنة الإدارة، المدرسون، موظفو وطلاب معهد الدراسات الإسماعيلية، الأسر والأطفال الصغار جداً للخريجين، السيدات والسادة،


إنني مبتهج لانضمامي لحفل التخريج تكريماً لأولئك الذين أنهوا دراستهم في برنامج الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية في معهد الدراسات الإسماعيلية. أقول ما شاء الله، لكم ولأسركم ولجميع أولئك الذين ساعدوكم في هذا الانجاز. أقدم إليكم أحر التهاني ليس فقط من أجل العمل الذي قمتم به والأهداف التي أحرزتموها، ولكن أيضاً من أجل الخيار الذي اتخذتموه عندما قررتم متابعة الدراسة المنظمة، في مرحلةٍ متقدمة، لتقاليدنا وثقافاتنا وتاريخنا.


إنني متأكد أنكم بالفعل فخورون بإنجازاتكم، وهذا ما يجب أن تكونوا عليه. ولكن حتى عندما تنظرون إلى الوراء بفخر عظيم، فإنني متأكد أيضاً من أنكم تتطلعون قُدماً بآمالٍ عظيمة. وعندما تقومون بذلك، فإنه أملي الخاص أن يؤدي التعليم الذي اكتسبتموه من هذا البرنامج إلى نجاح عظيم في مجالات سعيكم المختارة، أياً كانت هذه المجالات.


وبعد هذا القول، وآخذاً بالاعتبار إنجازاتكم، فإنني مقتنع أن مؤسسات الإمامة والجماعة تستطيع أن تستفيد مباشرةً من مساهمات كلٍ منكم سواءٌ أكانت بقدرات مهنيةٍ أو طوعيةٍ. وبالتالي فإن مساهمة كهذه ستكون منسجمةً مع أخلاقية عقيدتنا التي تلزمنا أن نستخدم نعمنا المادية أو الفكرية لمساعدة أسرنا ولخدمة جماعتنا والأمة وللمساعدة لتطوير المجتمع، وبالتأكيد الإنسانية جمعاء. إن الجماعات ومؤسساتها بحاجة إلى نساءٍ ورجالٍ حيويين وشباب مثلكم، يستطيعون الاستفادة من التراث الغني لماضينا والاستفادة من أفضل تعليم في الحاضر وذلك لمعالجة تحديات المستقبل


كما أعتقد أنكم جميعاً تعلمون فإن شبكة الآغاخان للتنمية منخرطة في أوسع مجموعة من الأنشطة عبر العالم الإسلامي وخارجه. ويتدرج عملها من الصحة والتعليم إلى الإعلام والبنى التحتية، ومن التمويل إلى التصنيع، ومن الثقافة إلى السياحة. وتتركز هذه المساعي على تحسين نوعية حياة الشعوب في مناطق لا تعد ولا تحصى، ومن خلفيات متنوعة ومن أديان مختلفة. ومع ذلك، فإن نموذجنا، حتى عندما يشمل العالم غير الإسلامي، وحتى عندما يمتد إلى ما بعد العقد الحالي، فهو أيضاً متجذرٌ بعمق في القيم الإسلامية. ومن بين أمور أخرى، فإن مقاربتنا للتنمية هي شاملة ومفهومة بشكل حيوي، وهذا يعني أن أفعالنا تصاغ بالمشاركة الكاملة مع المستفيدين المحتملين، بدلاً من الإملاء أو الفرض من الخارج. نعتقد أنه بهذه الطريقة فقط يمكن أن يكون عملنا قادراً على أن يدعم نفسه ذاتياً.


وبالطبع، فإن مدلول هذه المقاربة يعني أن شبكة الآغاخان للتنمية (AKDN) تحتاج بشكل خاص إلى فهمٍ عميقٍ للبيئات التي تعمل فيها ولثقافاتها وأعرافها وتقاليدها ومذاهبها: وهذه هي بالضبط مجالات الدراسة التي اتبعتموها. وتحتاج الشبكة (AKDN) أيضاً إلى عقول نشيطة مزودة بمعرفةٍ فعالة للقطاعات الهامة، وذلك لكي تبقى فعالة.


إن التربية والدراسات العالمية والدبلوماسية، والقيادة غير الربحية، والإعلام والتنمية والحقوق والدراسات الإقليمية ستكون جميعها من بين أكثر مجالات الخبرة ذات الصلة المباشرة في العقود القادمة. وهذا سيكون حقيقياً خصوصاً في العالم النامي. باتخاذكم قرار الالتحاق بمعهد الدراسات الإسماعيلية (IIS) فإنكم قد اخترتم أن تحللوا وتفهموا مشاكل العالم النامي وأن تعالجوا بعضاً من أكثر قضايا عصرنا صعوبةً.


آمل، أنه بينما تتطلعون إلى الحياة بعد برنامج معهد الدراسات الإسماعيلية، آمل أن يفكر بعضكم بمهن ضمن الشبكة العالمية لمؤسسات الإمامة، لأن هذه المنظمات هي أيضاً تحاول أن تفهم وتعالج التحديات نفسها.


لقد تأثرت لعلمي أنكم تمثلون خمس قوميات مختلفة كما توجد عدة تقاليد ثقافية متنوعة لجماعاتنا. إنني متأكد أنَّ هذا التنوع قد أغنى تجربتكم الصفّيّة، وإنني واثق أنها لابد أعطتكم تقديراً أعمق لمعنى وقيمة التنوع ذاته.


إننا جميعاً مدركون أننا نعيش في عالمٍ يثار فيه موضوع التنوع كتهديدٍ، وتحديداً، عندما يمكن أن يعتبر التنوع في تفسير العقيدة كدلالةٍ على عدم الإخلاص والولاء. إن هذه الظاهرة، يتم أحياناً فهمها على أنها تنطبق بشكلٍ أساسي على المسلمين، ولكنها توجد أيضاً في مجتمعاتٍ أخرى. إن الادعاءات بالحقيقة لدى المذهبيين المطلقين والشموليين والرافضين وخصوصاً الحقيقة الدينية تسمع بشكل متزايدٍ من جميع الأنحاء. وبدلاً من النظر إلى الدين كعملية متواضعة للتطور في الإيمان، فإن بعض الناس يتجاسرون ليدعوا أنهم وصلوا إلى نهاية تلك الرحلة، وأنهم لذلك يستطيعون أن يتحدثوا بسلطةٍ شبه مقدسة.


مع الأسف، ففي بعض أجزاء العالم الإسلامي اليوم، نرى العداء تجاه التفسيرات المتنوعة للإسلام، وضعف التسامح الديني أصبحت هذه كلها مشاكل مزمنة ومتزايدة سوءاً. في بعض الأحيان أدت هذه المواقف إلى الكراهية والعنف. وفي صميم المشكلة توجد فكرة زائفة بين بعض المسلمين والناس الآخرين، أنه يوجد، أو يمكن أن يوجد حقيقة مقيدة أحادية تدعى الإسلام.


ومع ذلك فإن مذهبنا الإسماعيلي قد قبل دائماً روح التعددية بين المدارس التفسيرية للعقيدة، ولم يرَ هذا كقيمةٍ سلبية، ولكن كانعكاس حقيقي للكمال الإلهي. وبالفعل، فإن التعددية ينظر إليها كشيء أساسي من أجل البقاء الحقيقي للإنسانية. لقد أطلعتم من خلال دراستكم على العديد من الآيات القرآنية وأحاديث نبينا المحبوب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) التي تقّر وتطري قيمة التنوع ضمن المجتمعات الإنسانية. إنني متأكد من أنكم جميعاً تعرفون الحديث الذي يشير إلى أن الاختلاف في التفسير بين المذاهب الإسلامية يجب أن يرى كآيةٍ على رحمة الله.


يجب أيضاً أن يكون واضحاً بالنسبة لأي شخص كان قد درس التاريخ أو الأدب الإسلامي، أن الإسلام كان دائماً، ولا يزال كذلك، مجال بحث أخذ عدة أشكال. فقد أظهر نفسه بطرق عديدة، وذلك في أزمان مختلفة، وبين شعوب مختلفة، وبتأكيدات متغيرة ومتطورة مستجيباً للحاجات والاهتمامات والطموحات الإنسانية المتغيرة.


حتى في القرون الأولى من الإسلام، كان يوجد تنوع للمقاربات الفكرية بين المسلمين. ومع ذلك، فاليوم، في كلٍ من داخل العالم الإسلامي وخارجه، فَقَدَ العديد من الناس رؤية تنوع الإسلام أو أنهم رغبوا أن يعموا أعينهم عنه، وعن تطوره التاريخي مع الزمان وحسب المكان وطبقاً لسبل متعددة. لذلك، يجب علينا مساعدة أولئك الذين هم خارج العالم الإسلامي ليفهموا التنوع الإسلامي حتى عندما نقدم نقطة فكرية مخالفة لأولئك الذين هم ضمن الإسلام والذين سيرفضونها.


آمل منكم، باعتباركم خريجي هذا البرنامج، أن تُضمنوا هذه الرسالة في سبلكم الخاصة في الأعوام القادمة، من خلال أعمالكم وكلماتكم ومن خلال مواقفكم وأفعالكم ومن خلال الأسوة.


إن المساواة غير الصحيحة، وغير العادلة، مع أنها منتشرة بشكل متزايد، تلك المساواة بين كلمتي "إسلام" و"مسلم" وبين "عدم التسامح"، وحتى أحياناً مع كلمة "إرهاب"، قد تؤدي إلى شعور بعض المسلمين باليأس والامتعاض وحتى بالخجل. ومع ذلك، بالنسبة لي، فإن التركيز العالمي الحالي على العالم الإسلامي، وعلى الإسلام نفسه، يقدم لنا فرصة ذهبية للتثقف والتنوّر، بينما نقدم تقديماً حيوياً أمثلةً عن الفكرة المخالفة التي ذكرتها سابقاً. وبنظري، إن ذلك يخلق فرصة، وحتى واجباً أعظم علينا لكي نترك تأثيراً إيجابياً ظاهراً على العالم وعلى الثقافة والفن، والعلم والفلسفة والسياسة والعلم البيئي، وغيرها.


وللاستجابة لهذه الفرصة، سيكون من المهم التغلب على نتيجة أخرى مدمرة لعدم التسامح، والتي كانت تردع العديد من المجموعات المسلمة عن السعي للوصول إلى ما يدعى بمجتمع المعرفة. فبدون قبولٍ للتنوع، وبدون المقدرة على إغناء الإبداع الذي ينبثق عن التعددية فإن روح مجتمع المعرفة ستُخنق. أعتقد أنه يجب علينا أن نشجع المسلمين من سائر الجماعات أن يجتمعوا ويعملوا متعاونين ليساهموا في الهبة الواسعة من المعرفة المتوفرة اليوم، والتي بدونها إن لم يتوقف التقدم، فإنه على الأقل سيؤجل. وهذا التعاون لا يمكن أن يحصل في غياب الانفتاح الذهني والتسامح.


وضمناً في هذه المقاربة توجد الحاجة للتواضع والتي هي أيضاً قيمة إسلامية مركزية. يجب علينا جميعاً أن نبحث عن إجابات لتحديات جيلنا، ضمن الإطار الأخلاقي لعقيدتنا، وبدون الحكم المسبق على بعضنا بعضاً، أو تحديد وتقييد مجال ذلك البحث بشكل عشوائي. يجب علينا، مثل الفنانين المسلمين العظماء والفلاسفة والعلماء من القرون الماضية، متابعة المعرفة باهتمام في كل مجال، وأن نكون جاهزين دائماً لاحتضان فهمٍ أفضل لخلق الله، وجاهزين دائماً لإغناء هذه المعرفة في تحسين نوعية حياة جميع الناس.


وبينما أنتم تتطلعون إلى المستقبل، آمل أن تتذكروا أن المساعي الفكرية يجب، وحيثما أمكن، أن تسعى لمعالجة طموحات البشر الكونية: الروحية والمادية معاً، فهذه الطموحات، بالنسبة لجيلنا أكثر منها بالنسبة لأي جيل سابق، متشابكة في جماعة عالمية واحدة.


قد يكون الأمر مذهلاً أحياناً عندما يتأمل المرء في مجموعة المشاكل الجديدة التي يبدو أنها تتكاثر في هذا العالم العولمي.


وهذا يتضمن مدلولات التنكنولوجيات الجديدة والرؤى العلمية الجديدة التي تثير أسئلة أخلاقية وقانونية جديدة. وتتضمن قضايا بيئية دقيقة ومعقدة كالتحدي العظيم للتغيرات المناخية. وتتضمن أموراً تتدرج في الفجوة المتوسعة بين الأغنياء والفقراء، إلى قضايا الحكم المناسب والحكومة التمثيلية الفعّالة والعادلة، وإلى الاستهلاك الجشع الجامح على حساب الآخرين، أو على حساب البيئة. في بعض المجتمعات، فإن الأمية وعدم معرفة الحساب ليست مشاكل مستمرة فحسب، بل مشاكل نامية. وتتضمن تحدياتنا أيضاً الصعوبة المتزايدة في دعم التعددية في وجه التيارات المعهودة، محاولين إيجاد طرق لاستيعاب اختلافاتنا، حتى عندما تجد الشعوب المختلفة نفسها، بشكل كبير في تواصل أكبر مع بعضها بعضاً.


لقد انشغلتم بدراستكم التي كان بعضها يتناول تحليل إنجازات الحضارات الإسلامية القديمة. ما آمله هو أن تكونوا قد رأيتم أن فهم الانجازات والتقاليد والقيم والأخلاق القديمة للمسلمين يجب أن تكون قد أهلتكم تأهيلاً جيد جداً لمعالجة القضايا الكبرى التي تظهر في عصركم.


بينما أنتم تتخرجون الآن في هذا العالم المتحدي، ستأخذون معكم آمال جميع أولئك الذي أسسوا هذا البرنامج الدراسي والذين يديرونه حالياً. إن أملهم الأساسي هو أن تصبحوا قادةً عالميين في مجالات متنوعة، حاملين معكم ومطبقين دائماً الانفتاح الذهني لمذهبنا ولأخلاق عقيدتنا.


شكراً