توجه طلاب برنامج إعداد معلمي المرحلة الثانوية (STEP C-18) إلى الأندلس في إسبانيا، في إطار الرحلة الميدانية التعليمية للبرنامج. وزارت الدفعة مدن قرطبة ومدينة الزهراء وغرناطة. وكان الهدف من الزيارة مساعدة الطلاب على التعرّف أكثر على نشأة الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية وإنجازاته وسقوطه.

يُعِدّ برنامج STEP المعلّمين المتدرّبين لتدريس طلاب المرحلة الثانوية في مراكز التعليم الديني داخل الجماعة الإسماعيلية في بلدانهم. وتُعزِّز الرحلة الميدانية المعرفةَ المكتسبة في قاعة الدرس من خلال التفاعل المباشر مع أماكن تزخر بالتراث الإسلامي. وإذا كان المشاركون في البرنامج يقرؤون عن الأندلس في النصوص ويرونها في الصور، فقد أتاحت لهم هذه الرحلة فرصة معاينة عمارتها عن قرب والتأمل فيما تعلّموه.

وتكشف هذه التأملات عن تحوّل في فهمهم لتاريخ الحكم الإسلامي في إسبانيا ولدور المعالم التي شُيّدت فيها. فقد أصبحت هذه المواقع التاريخية مادةً للقراءة والمساءلة والتفسير، لا مجرد آثار يُعجَب بها المرء من بعيد. كما عاد معظم الطلاب بدرسٍ جديد ينقلونه إلى صفوفهم.

السير عبر التاريخ

أمضت الدفعة أسابيع في قاعات الدرس في لندن تدرس تاريخ الأندلس قبل السفر إلى إسبانيا. وقد تقدّم المراجع الدراسية التواريخ، ومعلومات عن السلالات الحاكمة، وصورًا للمعالم ملتقطة من زاوية ثابتة، لكن ما من كتاب يستطيع أن يهيّئهم للوقوف أمام تلك المباني والتجوّل في أرجائها، أو لاكتشاف ثقافة المنطقة وتذوّق مطبخها.

كان مظهر علي شاه، وهو معلّم متدرّب من تشيترال في شمال باكستان، يتوقع أن يقضي الرحلة في تحليل المعالم الأثرية.

وجدتُ الأندلس صامتةً كأنّ الزمن توقّف فيها، لكنها تنطق بقصصٍ بليغة؛ قصصٍ لا تُقرأ، بل يسير المرء في دروبها، ويستشعر جوهرها، ويتخيّلها.

وقد جسّد مسجد-كاتدرائية قرطبة هذه الفكرة بأقوى صورة. فقد بدأ البنّاؤون تشييد المسجد في القرن الثامن، ووسّعه الحكّام المتعاقبون على مدى القرنين التاليين. ويحمل محرابه (وهو تجويف في جدار المسجد يشير إلى اتجاه مكة) بعضًا من أجمل الزخارف في المبنى. وحين وقف أمامه، توقّف مظهر عن تحليل المكان وبدأ رحلة في الخيال.

"قبل رحلة إسبانيا، كنت أتوقع أن تكون جولة أراقب فيها إنجازات المسلمين وأحلّلها. لكن ما إن سرت أمام المحراب في مسجد-كاتدرائية قرطبة حتى لم أعد مجرد مراقب له، بل صرت أتخيّل ابن عربي يصلّي قربه. وبينما كنت أمشي تحت الأعمدة، كنت أتصوّر الطلاب يتعلّمون وهم متّكئون على تلك السواري".

وقد كان هذان المفكّران الكبيران من أهل المدينة التي وقف فيها مظهر: فابن رشد، الفيلسوف والفقيه، وُلد في قرطبة في القرن الثاني عشر، أما ابن عربي، المتصوّف والكاتب، فقد قدم إليها شابًّا. ويطلق مظهر على استحضارهما داخل المبنى اسمًا خاصًا، وهو المنهج نفسه الذي يريد أن يعلّمه لطلابه.

"مكّنتني هذه التجربة من ممارسة التخيّل التاريخي، وهو أمر يصعب كثيرًا بمجرد القراءة عن الأندلس".

قراءة جدران قصور بني نصر 

كانت غرناطة آخر مملكة إسلامية في شبه الجزيرة الأيبيرية، وحكمتها سلالة بني نصر أكثر من قرنين. وقد بقيت قصورهم في الحمراء سليمة إلى حدٍّ بعيد، بخلاف مواقع أخرى يزورها المعلّمون المتدرّبون في البرنامج. وتحمل جدران الحمراء شعار السلالة، محفورًا في الحجر والجص ومكرّرًا من غرفة إلى أخرى. 

أما جُوَيْرِيَّة خان، المعلّمة المتدرّبة من تشيترال، فقد رأت في ذلك التكرار قيمةً جماليةً ومعنًى عميقًا.

كان السير في الأندلس أشبه بالإصغاء إلى التاريخ يتحدث عبر أماكن لم أكن أعرفها من قبل إلا من خلال النصوص. وفي قصور بني نصر، كنت أعود مرارًا إلى عبارة "ولا غالب إلا الله"، المكرّرة على الجدران بتناظر مقصود.

إن السلالة الحاكمة التي تنقش تلك الكلمات على جدران قصرها تطرح ادعاءً يمكن قراءته بطريقتين؛ إذ يمكن لهذا الشعار أن يؤكد شرعية الحاكم، أو أن يذكّره بمصدر تلك الشرعية. وهذا الغموض هو ما جعل المبنى مثيراً لاهتمامها.

"تساءلتُ عن أولئك الذين شيدوها: هل كانوا يعلنون عن عظمتهم وشرعيتهم، أم يذكّرون أنفسهم بأن السلطة التي يمتلكونها هي في نهاية المطاف هبةٌ من الله يمنحها وينتزعها؟ ربما كان الأمران معاً. وهذا التوتر بين الطموح البشري والتواضع جعلني أرى العمارة الإسلامية لا بوصفها إنجازًا حضاريًا فحسب، بل انعكاسًا أيضًا لكيفية فهم الناس لموقعهم في العالم".

الجمال والبُعد الإلهي في قصر الحمراء

قد يرى الزائر لأول مرة، ممن لا معرفة سابقة لديه، قصرَ الحمراء مجموعةً من التصاميم الزخرفية المنفصلة: هندسة هنا، وخط عربي هناك، ومياه جارية وضوء مُرشَّح وظلال بوصفها إضافات لطيفة. أما الطلاب الذين درسوا هذه العناصر في قاعة الدرس، وتعرّفوا إلى السياق التاريخي الذي أنتجها، فقد جاؤوا بفهمٍ ووعيٍ مختلفين للدور التاريخي لهذه المباني الجميلة. وقد دفع ذلك مظهر إلى التساؤل عن الغاية من جمالٍ بهذا المستوى.

قصر الحمراء مهيب. وجماله يغمر الحواس. إنه يخاطب شيئًا أعمق فينا: ذلك الجزء الذي يدرك الجمال لا بوصفه تجربة جمالية فحسب، بل بوصفه صورة من صور الحقيقة.

وتشير إجابته إلى البراعة الحرفية الظاهرة للعيان، وإلى السياق التاريخي للمجتمع الذي أبدعها، فضلًا عن وعي إيماني بالمصدر الذي تنبع منه قدرة الإنسان على الإبداع.

"فعمارته وخطوطه وهندسته وأبعاده تشير إلى هبة الإبداع الإلهية الممنوحة للبشر. كما يهمس هذا الجمال بحقيقة تاريخية لا تُنكر: وهي الإنجازات الفكرية والفنية للمسلمين في الأندلس".

قراءة الأعمدة في مسجد-كاتدرائية قرطبة

تقوم قاعة الصلاة في المسجد على مئات الأعمدة المنتظمة في صفوف طويلة تمتد وتتوارى في العمق. وكثير منها لم يُصنع للمسجد أصلًا؛ إذ جاءت الأعمدة وتيجانها من منشآت رومانية وقوطية غربية كانت قائمة في المنطقة، فقطعها البنّاؤون وسوّوا ارتفاعاتها ووظّفوها لغرض جديد. ويسمّي المؤرخون هذه الممارسة "سبوليا" (spolia)، وقد كانت شائعة في أنحاء البحر المتوسط في العصور الوسطى، مما يشير إلى أن بنّائي القرون السابقة كانوا حريصين على إعادة الاستخدام والتدوير بدلًا من إهدار مواد البناء.

أما روحي بهورا، المعلّمة المتدرّبة من الولايات المتحدة، فقد لاحظت الاختلاف بين هذه الأعمدة. وكانت قد وصلت إلى المبنى بتعريف عملي للتعددية، فغادرته بتعريف آخر.

قبل زيارة الأندلس، كنت أفكر في التعددية أساسًا بوصفها ثقافات وأديانًا مختلفة تعيش جنبًا إلى جنب. وقد تغيّر ذلك حين زرت مسجد قرطبة الكبير.

وقد وجدت روحي في الحجر شاهدًا على الكيفية التي تلتقي بها الثقافات.

"لفتت انتباهي الأعمدة بوجه خاص. فكثير منها كان يُصنّف spolia، أي أعمدةً وتيجانًا من مبانٍ رومانية وقوطية غربية سابقة أُعيد استخدامها ومُنحت غرضًا جديدًا داخل المسجد. وقد جعلتني رؤيتها عن قرب أدرك أن هذه التواريخ المختلفة لم تكن منفصلة بعضها عن بعض، بل انتقلت عبر الزمن ونُسجت في شيء جديد. ومن هنا صرت أرى التعددية أكثر من مجرد تعايش؛ فهي تعني أيضًا كيف تلتقي الثقافات، ويؤثّر بعضها في بعض، وتترك آثارًا تبقى طويلًا بعد رحيلها".

كما تثير الأعمدة المعاد استخدامها سؤالًا عن اليد العاملة؛ فكل عمود منها اقتلعه أحدٌ من المحجر، ثم نقله ونحته وأقامه في مكانه. غير أن المصادر المكتوبة تسجّل أسماء الحكّام الذين أمروا بالعمل، ونادرًا ما تذكر من نفّذوه. وإلى هذا الغياب اتجه انتباه روحي بعد ذلك.

"كثيرًا ما نسمع عن الحكّام والسلالات والمباني الضخمة، لكنني وجدت نفسي أتساءل عن الحرفيين الذين عملوا بهذه المواد، وعن الناس الذين صلّوا بين هذه الأعمدة، وعن الذين عاشوا التحولات الكثيرة التي مرّ بها هذا المكان. قصصهم ليست سهلة المنال، لكنها تظل جزءًا مما يمنح المكان معناه".

ما تبقّى من مدينة الزهراء

بقي قصر الحمراء سليمًا تقريبًا، أما مدينة الزهراء فلم يبقَ منها سوى الأطلال. فقد أسّس عبد الرحمن الثالث المدينةَ القصر خارج قرطبة في القرن العاشر لتكون مقرًّا للسلطة الأموية، وظلت قائمة بضعة عقود قبل أن تدمّرها الحرب الأهلية، ثم سُوّي الموقع بالأرض وهُجر. ولم تكشف الحفريات إلا جزءًا مما يرقد تحت ترابه، ولذلك يتجوّل الزائر اليوم بين بقايا أثرية لا بين مبانٍ قائمة. وكانت تبسّم سلطان، المعلّمة المتدرّبة من وادي ياسين في غلغت-بلتستان بباكستان، قد قرأت عن دمار المدينة قبل أن تراها بزمن طويل.

يُقال إن للجدران آذانًا، لكنني بعد الرحلة الميدانية إلى إسبانيا صرت أؤمن أن للجدران أصواتًا أيضًا. كنت قد قرأت عن نشأة مدينة الزهراء ودمارها، لكن حين سرنا بين أطلالها بدأت أسمع التاريخ الذي تحمله.

تدعو الأطلال زوّارها إلى السؤال عمّا غاب، ولماذا غاب. ففي مدينة الزهراء، ما تزال الأساسات ترسم حدود الغرف، وتُظهر قنوات المياه كيف كانت المدينة تعمل، ويكشف الحجر المنحوت عمّا كان يقدّره رعاتها. ومن هذه البقايا انطلق خيال تبسّم في رحلة حسّية عبر الزمن، عائدًا إلى المدينة التي قامت هناك يومًا.

"الأعمدة، ودار جعفر [المعروفة بالإسبانية باسم Casa de Ya’far]، والحمّامات المتطورة، والتخطيط المعماري المتقن، كل ذلك جعلني أتخيّل عظمة المدينة التي قامت هناك يومًا. لمست الحجارة، وتتبّعت الجدران، وسرت في فضاءات كانت تعجّ بالناس وتفاصيل حياتهم اليومية؛ فلم يعد الأمر مجرد معلومة أعرفها، بل تجربةً ملموسةً أدركها بحواسي. وبدت الجدران تروي حكايتين في آن واحد: حكاية من بنوها، وحكاية ما جرى بعد رحيلهم".

كما يكمل الموقع نمطًا كانت الدفعة قد لاحظته في قرطبة. فقد رأت روحي حجارة أقدم أُعيد استخدامها داخل المسجد؛ أما في مدينة الزهراء فتسير الممارسة نفسها في الاتجاه المعاكس. إذ نُقلت المواد المنحوتة من المدينة المدمَّرة ووُضعت في مبانٍ أخرى. وقد رأت جُوَيْرِيَّة في هذا التشتّت دلالة أكبر من الدمار نفسه.

"مدينةٌ بناها عبد الرحمن الثالث لتجسّد عظمة الأمويين وشرعيتهم، لم يبقَ منها في موضعها اليوم سوى الأطلال، بينما تعيش أجزاء منها في أماكن أخرى بوصفها عناصر معاد استخدامها. ومع ذلك ما زال بإمكاننا تتبّعها إلى حيث كانت تنتمي. وحين وقفت بين تلك الأطلال، استوقفني كيف تخبو السلطة بينما تبقى آثارها حيّةً في الثقافة المادية".

أما تبسّم، فقد أثارت الأطلال في نفسها سؤالًا عن وطنها لا عن إسبانيا. فشمال باكستان، بما فيه غلغت-بلتستان وتشيترال، يضم قلاعًا وقرى قديمة وبقايا لا تحظى بشيء من هذا الاهتمام. والفرق لا يكمن في المواقع نفسها، بل في عادة النظر إليها وتأمّلها. وقد كشف لها وقوفها في مدينة الزهراء ما يمكن أن تتيحه هذه العادة.

"كما جعلتني التجربة أفكر في الأطلال والبقايا في منطقتي في شمال باكستان. فنحن نمرّ بأماكن دون أن ننتبه إلى حكاياتها، ربما لأننا لم نقرأ عنها قط. ولعلّ لها أصواتًا أيضًا، لكننا لم نتعلم دائماً الإصغاء. وإذا لم نتوقف لنصغي، فقد تبقى الأسئلة والذكريات والتواريخ المحتملة طي الكتمان".

تعلّم يصوغ تدريس الغد

يُعِدُّ برنامج STEP المعلمين المتدربين لتدريس التعليم الديني في بلدانهم، ولذا فإن الرحلة الميدانية لا تقتصر أبداً على مجرد زيارة؛ فقد سافر كل منهم إلى الأندلس بصفته معلماً متدرباً وعاد وهو يفكر في طلابه، إذ تنتهي كل تأملاتهم -بطريقة أو بأخرى- داخل الفصل الدراسي. أما ما يختلف فهو الأسلوب الذي يتبناه كل منهم، وكيف تبلور هذا الأسلوب انطلاقاً مما شاهدوه واختبروه في إسبانيا.

تودّ روحي أن تبدأ مع طلابها من حيث بدأت رحلتها: من ملاحظة واحدة. فهي لا تبدأ بالسلالات الحاكمة أو التواريخ أو أهمية المبنى، بل تبدأ باختلافٍ يستطيع أي طفل أن يراه، وبسؤال ينبثق منه.

حين أصبح معلّمة، أود أن يبدأ طلابي بأمر بسيط، مثل ملاحظة اختلاف الأعمدة والتساؤل: "لماذا تختلف هذه الأعمدة، وما الذي قد يخبرنا به ذلك عن الأشخاص والثقافات التي شكلت هذا المكان؟"

...آمل أن تشجع مثل هذه الأسئلة الطلاب على النظر إلى ما هو أبعد من الأسماء والتواريخ، وأن تثير فضولهم لمعرفة الأشخاص الذين يقفون وراء أحداث التاريخ".

وتتجاوز غاية ذلك السؤال حدود المنهج الدراسي. فروحي تنظر إلى التعاطف التاريخي بوصفه مهارة قابلة للنقل، ففهمُ الناس في الماضي وفقاً لمنظورهم الخاص يُعدّ بمثابة تمرينٍ على فهم الآخرين في الحاضر.

"بالنسبة لي، تلك هي القوة الحقيقية للتعاطف التاريخي: إذا استطعنا أن نعلّم الشباب الخروج من منظورهم الخاص وإدراك الجانب الإنساني في حيوات تختلف تماماً عن حياتهم، فلعلّهم يحملون هذا التعاطف ذاته إلى العالم؛ فيواجهون الاختلاف لا بالخوف أو إصدار الأحكام، بل بالفضول والتعاطف والرغبة في الفهم".

أما جُوَيْرِيَّة فقد جاءت إلى الرحلة ومعها درس سبق أن قدّمته لطلابها؛ إذ استخدمت فيه قصة من ابن خلدون لتبيّن لهم كيف تشكّل معارفهم المسبقة قراءتَهم للتواريخ غير المألوفة. غير أن الأندلس أقنعتها بأن الخيال وحده لا يكفي، فباتت تريد لطلابها أن يتعاملوا مع أشياء ملموسة يمكنهم الإمساك بها، لا مع أفكار يتصوّرونها فحسب.

حين درّست موضوع الحضور الإسلامي في أوروبا، استخدمت "حكاية الفأر" لابن خلدون لأبيّن للطلاب كيف نفهم غير المألوف (من التواريخ) من خلال حدود معرفتنا الخاصة.

…جعلتني هذه الرحلة أرغب في تجاوز مطالبة الطلاب بمقاربة التاريخ عبر الخيال. أريدهم أن يعايشوه".

وستضع جُوَيْرِيَّة الأندلس أيضًا إلى جانب مواقع يستطيع طلابها زيارتها بأنفسهم، وتمتد قائمتها من مستقرّ بشري في وادي السند إلى لاهور في العهد المغولي، وصولًا إلى القلاع القديمة في غلغت-بلتستان وتشيترال بباكستان. وحين توضع هذه المواقع إلى جانب قرطبة، لا تعود مجرد معالم ذات أهمية محلية، بل تغدو جزءًا من البحث ذاته.

"ستصبح قطع تركيب الصور والبطاقات البريدية التي جلبتها من قرطبة ومدينة الزهراء مداخلَ ملموسةً إلى الماضي، إلى جانب المقارنات مع قلعة لاهور، وحدائق شاليمار، وكوت ديجي، وبالتيت، وألتيت، وقلاع تشيترال. أريد لطلابي أن يشعروا بأن التاريخ ليس في مكان بعيد؛ بل هو شيء يمكنهم دخوله ومساءلته والتعرّف عليه".

أما مظهر فسيعلّم المنهج ذاته الذي وجد نفسه يمارسه حين تخيّل ابن رشد وابن عربي داخل مسجد-كاتدرائية قرطبة، وهو ما يسمّيه التخيّل التاريخي: فالماضي يصلنا مجزّأً، والخيال هو الأداة التي يتعامل بها الطلاب مع ما تبقّى منه.

"سأشجّع طلابي لا على ملاحظة الأماكن والأشياء فحسب، بل على تخيّل الناس والأفكار والمجتمعات الكامنة وراءها. فالتاريخ ليس كاملًا أبدًا؛ بل يصلنا أجزاءً متفرقة. غير أننا، بقدرتنا على التخيّل مقرونةً بالتجربة، نستطيع أن نوسّع فهمنا للماضي".

أما تبسّم فستبدأ من المحيط القريب، مما يمرّ به طلابها كل يوم في مدينتهم. ومنهجها لا يتطلب رحلة ميدانية ولا ميزانية؛ بل يحث الطلاب على اعتبار القلاع أو الأسوار أو الأطلال القريبة كمصادر بحدّ ذاتها، وطرح تساؤلاتٍ حول الجهة التي شيدتها وما آلت إليه أحوالها.

"أصبو إلى أن يدرك طلابي أن التاريخ لا يُكتسب عبر القراءة فحسب، بل أيضاً من خلال الحواس؛ عبر الرؤية واللمس والوقوف وسط ما تبقى من شواهد. وأريدهم أن يتأملوا العالم من حولهم بتمعن، وأن يدركوا أن للأماكن والمقتنيات والعمارة أصواتاً تستحق الإصغاء إليها".

لقاء مستمر مع الماضي

أبرز كلٌّ من مسجد-كاتدرائية قرطبة، وقصر الحمراء، ومدينة الزهراء جانبًا مختلفًا من التراث الإسلامي الغني في الأندلس. فالمسجد بُني بحجارة مأخوذة من مبانٍ أقدم، وما زال قصر الحمراء قائمًا إلى حدٍّ بعيد كما تركه بنّاؤوه، أما مدينة الزهراء فترقد أطلالًا، وتبقى أجزاء منها في مبانٍ أخرى في أماكن متفرقة. والقراءة عن هذه الأماكن تمنح الطلاب المعلومات، أما زيارتها والوقوف داخلها فتفتح أمامهم عالمًا جديدًا من التجربة: ضخامة المكان، والضوء، والأسطح، والإحساس بالناس الذين عمروا هذه الفضاءات وسكنوها يومًا. وتلك هي التجربة التي سيحملونها معهم عند عودتهم إلى فصولهم الدراسية.

ويختم مظهر تأمله بدعوة تنطبق على القارئ بقدر ما تنطبق على الدفعة التالية من المعلّمين المتدرّبين في البرنامج:

تقدّم الأندلس، بكل ما فيها، الكثير لمن يأتيها بعقلٍ فضولي وقلبٍ منفتح.

إذا كنت مهتماً ببرنامج إعداد معلمي المرحلة الثانوية (STEP)، فلا يزال باب التقديم مفتوحاً.

الموعد النهائي للتقديم هو الساعة 12 ظهرًا بتوقيت بريطانيا الصيفي (BST) يوم 21 تشرين الأول 2026.