الأزهر


 
Courtyard of Al-Azhar, Amirali Mamdani Collection, IIS الأزهر المتوضع في القاهرة واحد من أقدم مجمعات الجوامع (مسجداً وجامعة) في العالم الإسلامي. وكانت السلالة الإسماعيلية الفاطمية الحاكمة قد أسسته، حيث كان الإمام الخليفة المنتمي إلى تلك السلالة المعز لدين الله، قد أنشأ القاهرة عاصمة له خلال الأعوام 969 – 973م. وأطلقت هذه التسمية على المجمع تذكرة بلقب الزهراء المرتبط بفاطمة، بنت النبي وزوجة علي أول إمام شيعي، والتي يعلن الفاطميون أنهم ينحدرون منها مباشرة.

ومع أنه استخدم بداية كمسجد جامع لإقامة صلوات الجمعة، إلا أنه سرعان ما تحول إلى مقر علمي. واستمر يمارس هذا الدور طيلة التاريخ الإسلامي حيث حقق اعترافاً بأنه المركز الأسبق للعلم الشيعي الإسماعيلي أولاً ثم، وبعد القرن الثاني عشر الميلادي، كمعهداً رئيسيٍ للتعليم السني.


لقد تحول إبان الفترة الفاطمية إلى مركز للتعليم العالي ورصدت له أوقاف ثرية من أجل توفير الدعم للطلاب والمعلمين ولواحدة من أكبر مكتبات العالم الإسلامي في ذلك الوقت. كان منهاج التعليم متنوعاً، وخصصت مجالس تعليمية للنساء من بين المجالس المقدمة تناولت موضوعات شملت الدراسات الفقهية والقرآنية، كما كُرّست مجالس خاصة لعلوم التأويل المتقدمة والتفاسير الدينية في السياقات الفكرية الإسماعيلية.


وبعد فترة من الإهمال في ظل الأيوبيين الذين حلّوا محل الفاطميين وحكموا مصر من 1171 إلى 1252، عادت الحياة إلى الأزهر على أيدي المماليك السنة (1252 – 1517) وأصبح مركزاً للتعليم القرآني والفقه الشافعي. وصارت الموضوعات المرتبطة تقليدياً بالمدارس السنية لتلك الفترة هي الطاغية، مع أن الأزهر بقي منفتحاً على المؤثرات الخارجية، بما في ذلك الصوفية. وواصل الأزهر إبان الفترة العثمانية (1517 – 1805م) كونه مركزاً رئيساً يجتذب العلماء السنة والطلبة الدارسين من شتى أنحاء العالم الإسلامي وبقيت علوم الدين والفقه هي الموضوعات الأساسية للدراسة والبحث.


ومع نهاية الحكم العثماني وحلول النفوذ والاحتلال الأوروبي بدأ دور الأزهر يتغير. فتحول في ظل الاحتلال الفرنسي إلى مقر للمقاومة وتعرض للقصف من قبل الجيش الفرنسي. ومع صعود محمد علي إلى السلطة عام 1811م وتطبيقه لسياسات السيطرة المركزية على الدولة، أُجبر الأزهر على قبول تغييرات تتعلق باستقلاله الذاتي التقليدي، واستجاب بإحداث تغييرات داخلية في بنيته التنظيمية واحتياجاته والأحكام الناظمة لعمله. كما طور الأزهر شبكة من المدارس الإعدادية على مستوى مصر بكاملها، وهي التي أصبحت مصدراً للطلبة الدارسين فيه إضافة إلى نشرها لنفوذه في مجال التعليم الديني في الدولة.


أصبح الأزهر إبان القسم الأول من القرن العشرين موئلاً لوجهات النظر الإصلاحية للإسلام ولاسيما في ظل تأثير محمد عبده (1849 – 1905) الذي كان يدرّس هناك. ومع أن بعض آرائه لم تلق قبولاً، إلا أن تغييراً كان قد بدأ يأخذ مكانه في المناخ الفكري هناك. ومُنح الأزهر إبان ثلاثينيات القرن العشرين مرتبة الجامعة وأُعيد تنظيمه في صورة وحدات أكاديمية. فبدأ بإصدار مجلة، وإضافة مقررات جديدة إلى مناهجه، وتأسيس كليات للنساء. وتوسع نفوذه في العالم الإسلامي السني الخارجي، وتلقى الكثير من القيادات الدينية العالمية اللاحقة والمعلمين تدريبهم فيه. وإبان تسعينيات القرن العشرين، وُجد حوالي ستة آلاف طالب أجنبي مسجلين في الأزهر جاؤوا من 75 بلداً. وقد اتخذت هذه المؤسسة من وقت لآخر مواقف مثيرة للجدل حول قضايا تتعلق بالمسلمين والمجتمعات الإسلامية، وقضايا ذات صلة بالشؤون الدولية. ومع نشأة مؤسسات ومراكز دينية أخرى للتعليم الإسلامي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، فقد الأزهر من أفضل أعضاء هيئته التدريسية لصالح هذه المؤسسات. ويواصل الأزهر، بدخوله مؤخراً في عالم الانترنيت دوره المؤثر كمكان للتعليم وقائد للرأي في القضايا والشؤون الإسلامية في بيئة تخضع للعولمة أكثر فأكثر.


لزيادة الإطلاع


دودج، ب. الأزهر. ألف سنة من التعليم الإسلامي (واشنطن، 1961)


هالم، هاينز. الفاطميون وتقاليدهم في التعليم (لندن، 1997) الترجمة العربية، سيف الدين القصير (دمشق، 1999)


 

نشرت هذه المقالة أصلاً في موسوعة الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط، مجلد1، ص 84-85، للمحرر جوزيف و. ميري، روتلدج (نيويورك – لندن، ۲۰۰۶).

الأزهر هو مؤسسة إسلامية للتعليم العالي ذات شهرة عالمية عرفت عبر تاريخها الطويل كمركز للبحث والدراسة. وقد تأسس هذا المركز، الذي ابتدأ كجامع ثم ما لبث أن ضم جامعة درّست العلوم والفلسفة وعلوم الدين، على يدي الإمام – الخليفة الفاطمي المعز لدين الله بعد فتحه لمصر عام 358 هـ/ 979 م....