القرامطة

هذه صورة منقحة من المقال الذي نشر أصلاً في دائرة المعارف الإيرانية مجلد 4 ص 823-832 تح. إحسان برشتار، نيويورك ولندن 1990

Download PDF version of article


لائحة المحتويات

 




القرامطة جمع مفردة قرمطي، وهو اسم عرف به أتباع فرع من الإسماعيليين في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي. هذا الاسم أصلاً ينطبق مبدئياً على أولئك الإسماعيليين الذين قبلوا دعوة حمدان قرمط بن الأشعث القائد الرئيسي للدعوة الإسماعيلية في سواد الكوفة (الريف المحيط بالكوفة) وأجزاء أخرى من جنوب العراق. نجح حمدان في اجتذاب العديد من المناصرين الذين لقبوا حالاً بالقرامطة. ورد اسم حمدان قرمط أيضاً على حمدان قرمطية (فرق الشيعة ص 61؛ القمي ص 83) وهو على الأغلب آرامي الأصل (انظر ماسنيون 1927، ص767) وتم تفسيره بأشكال مختلفة مثل: قصير الساقين أو أحمر العينين.


وتبع ذلك انتشار هذه التسمية لتشمل مجموعات إسماعيلية لم يجر تنظيمها من طرف حمدان. وبخاصة إسماعيلي البحرين وبعض المنشقين أيضاً في العراق وسورية وإيران وأماكن أخرى، الذين عارضوا وتميزوا عن الإسماعيليين الفاطميين، ورفضوا الاعتراف بإمامة قادة الإسماعيليين المركزيين الذين أصبحوا فيما بعد الأئمة – الخلفاء، هؤلاء المنشقون عرفوا فيما بعد بصفتهم قرامطة. استمر القرامطة الإسماعيليون في إيران وبخاصة في الجبال و خراسان في وجودهم حتى قرب نهاية القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي. برز من هؤلاء بعض الدعاة الإسماعيليين المشهورين مثل أبي حاتم الرازي والنسفي الذين قاما بدور هام في تطوير جوانب من الفكر الإسماعيلي المبكر؛ وكذلك أبو يعقوب السجستاني وهو مفكر وداع بارز في شرق إيران تمسك بالقرمطية في حياته العملية المبكرة. وقد استخدم مصطلح قرمطي في العصور الوسطى بمعنى ساخر من طرف الجدليين وعلماء الكلام والمؤرخين السنة والذين أرادوا الانتقاص من الإسماعيليين كما استخدموه للإشارة إلى الإسماعيليين الفاطميين.


الأصول والتاريخ المبكر


كان قرامطة جنوب العراق وأماكن أخرى في البداية جزءاً من الجماعة الإسماعيلية العامة في ذلك الوقت. ولا نعرف إلا القليل عن تاريخ الإسماعيلية والجماعات الموالية لها المبكر، ولكننا نعرف على الأقل أن جماعتين ظهرتا من بقية الإمامية في الكوفة عقب وفاة الإمام جعفر الصادق 148هـ 765م. وفي غياب المصادر التي يمكن الاعتماد عليها فإن تاريخ الإسماعيليين في القرن التالي مغمور بالسرية. وبالعودة إلى كتابات مؤرخي الفرق الإماميين وهي مصادر معلوماتنا الرئيسية في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الإسماعيلية، يبدو أن جماعة من الإسماعيليين الأوائل ساقت الإمامة في الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق ثم في ولده الإمام محمد بن إسماعيل (فرق الشيعة ص58؛ القمي ص 80-81) أصبحت هذه الجماعة معروفة باسم المباركيّة نسبة إلى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر الصادق (انظر أبو يعقوب السجستاني، إثبات النبوة ص 190 ونص حمدان ص 10).


يبدو أن الإمام محمد بن إسماعيل أمضى جزءاً من حياته في خراسان ومات في وقت ما خلال خلافة هارون الرشيد (170-193 هـ 786-809م) وبعد وفاته انقسمت المباركية إلى جماعتين: أحدهما جماعة صغيرة تمسكت بإمامة ذرية محمد بن إسماعيل. ولم تُذكر هذه الجماعة في أيّ مصدر حتى أعلن عبد الله المهدي القائد الإسماعيلي الذي أصبح الخليفة الفاطمي الأول إمامته للإسماعيليين وحدد أسماء آبائه علناً. وثمة جماعة أخرى ليست كبيرة العدد لكنها تضم معظم المباركية رفضت الإقرار بموت الإمام محمد بن إسماعيل. وُصف هذان الفريقان من طرف مؤرخي الفرق الإماميين بأنهما أجداد القرامطة، وبأنهما اعتبرا الإمام محمد إمامهم السابع والأخير وتوقعوا ظهوره ثانية بصفته المهدي أو القائم ليملأ الأرض عدلاً (فرق الشيعة ص 60؛ والقمي ص83).


ظهر الإسماعيليون على مسرح التاريخ بشكل أقوى كثيراً بعد فترة قصيرة في النصف الثاني من القرن الهجري الثالث، عندما انبعثوا بصفتهم منظمة حيوية تقود نشاط دعوة شاملة عبر شبكة من الدعاة. يستطيع المرء أن يميز قيادة مركزية ذات طاقة عالية وراء هذا النشاط الثوري، هذه القيادة كانت في البداية تعمل من عسكر مكرم والأهواز في خوزستان وأخيراً من سلمية في سورية. لدينا روايات متنوعة عن بدايات الدعوة الإسماعيلية في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، وعن الأعمال الدينية بالتحديد وعن سلسلة نسب القادة المركزيين المسؤولين عن تنظيم وقيادة هذه الحركة، التي اجتذبت انتباه المسؤولين العباسيين بسرعة، وكذلك الجماهير تحت اسم القرامطة. ثمة رواية إسماعيلية رسمية رعاها الخلفاء الفاطميون أوجزها فيما بعد الداعي المستعلي إدريس عماد الدين (توفي 872 هـ 1468م) في الجزء الرابع من كتابه عيون الأخبار، وثمة رواية معادية للإسماعيليين تعود إلى الجدلي ابن رزام والشريف أخي محسن، وقد حفظها مؤرخون متأخرون وبالتحديد ابن الدواداري والنويري والمقريزي. كما أن الطبري سرد لنا الفصل الافتتاحي لحركة القرامطة في العراق (الطبري مجلد 3 ص 2124 ومن الترجمة مجلد 37 ص169).


شهد العام 261 هـ 874-75م وربما قبل ذلك بداية نشاط الداعي حمدان قرمط في العراق (ابن النديم، مترجم ج1 ص187. وتجدد – ربما بالفارسية طبعة 2 ص 238؛ المسعودي – تنبيه ص395). وحمدان قرمط نفسه هو من المستجيبين للداعي حسين الأهوازي الذي أرسله القائد المركزي للإسماعيليين إلى جنوب العراق. نظم حمدان الدعوة في موطنه سواد الكوفة وأجزاء أخرى من جنوب العراق، وعين دعاة للمناطق الرئيسية. كانت الدعوة التي نظمها حمدان جزءاً من الدعوة الإسماعيلية العامة يومئذٍ التي كانت تُدار مركزياً من سلمية. قبل حمدان سلطة القادة المركزيين واتخذ مقراً له في كلواذا قرب بغداد، ومن هناك كان يتراسل مع القيادة المركزية – لكن هويته بقيت تحت غطاء كثيف من السرية. ومن العوامل التي ساهمت في نجاحه السريع ثورة الزنج وهم مجموعة من العبيد السود أرهبوا جنوب العراق وجلبوا انتباه القيادات العباسية في بغداد، واستمرت هذه الثورة لمدة خمسة عشر عاماً (255 -70 هـ 869 – 83م). ازداد عدد أتباع حمدان بعد أن كسبوا اسم القرامطة بشكل عام 267 هـ 880م حين عقد حمدان تحالفاً فاشلاً مع قائد ثورة الزنج (الطبري ج3 ص2129 ومن الترجمة ج37 ص175). كان مساعد حمدان الرئيسي أخا زوجته عبدان الذي تمتع بدرجة عالية من الاستقلال وعيّن دعاة عديدين في العراق وعلى الأغلب في جنوب إيران (ابن الدوادراي ص46 -47، 55، 67؛ النويري ص 190-92، 233؛ المقريزي اتعاظ ج1 ص155، 160، 166، 168). وفرضت أنواع من الضرائب على قرامطة العراق بما في ذلك خمس الدخل الذي حفظ للمهدي المنتظر. أقام حمدان دار هجرته المحصّنة ومكان التجمع للصلاة قرب الكوفة. وعلى كل حال، استمرت الحركة القرمطية بعيده عن انتباه العباسيين الذين لم يستعيدوا سيطرتهم على جنوب العراق منذ ثورة الزنج. ولكن عام 278 هـ 891-92م كما ذكر الطبري يعتبر العام الذي صعّد فيه قرامطة القرى حول الكوفة نشاطهم، عندها بدأ حكام بغداد يلاحظون خطر الحركة الجديدة بعد أن تلقوا أخباراً بُعثت إليهم من الكوفة (الطبري ج3 ص2124، 2126-27 ومن الترجمة مجلد 37 ص169، 171-73). ولكن لم يَجْرِ أي عمل سريع ضد القرامطة الذين أظهروا أول احتجاج لهم عام 284 هـ 897م. على كل حال، لم يسمح الخليفة النشيط المعتضد بأي شغب قرمطي أن ينجح في العراق، وقمع الثورات الثلاث التي اندلعت عام 287-289هـ 900-902م (ثابت بن سنان، تاريخ أخبار القرامطة في أخبار القرامطة ص 6-11؛ ابن الدواداري ص44؛ النويري ص 187؛ المقريزي، اتعاظ ج1 ص151).


بدأت الدعوة في أقاليم أخرى إلى جانب وجودها في العراق حوالي عام 260 هـ 870م ظهرت الدعوة في جنوب إيران وكانت كما يبدو تحت عناية القادة القرامطة في العراق. فأبو سعيد الجنابي (907) الذي درّبه عبدان كان ناشطاً في بداياته في جنوب إيران ونجح نجاحاً عظيماً (مادلونغ 1983). وعُيّن مأمون أخو عبدان داعياً في فارس، وبعده دُعي أتباعه في تلك المنطقة بدعوة المأمونية (الديلمي ص21). كما بدأت الدعوة في اليمن عام 268هـ 881م وبقيت على علاقة وثيقة بقيادة الإسماعيليين المركزية، وقادها الداعيان على بن الفضل وابن حوشب المعروف بمنصور اليمن (النعمان بن محمد، افتتاح الدعوة ص32-47؛ هالم 1981). وفي عام 270هـ 883 أرسل ابن حوشب ابن أخيه داعياً إلى السند، وبعده أَرسل أبا عبد الله الشيعي إلى المغرب حيث هيأ الأرض للحكم الفاطمي (النعمان بن محمد، افتتاح ص45، 59).


بينما ظهرت الدعوة في شرق شبه الجزيرة العربية عام 281هـ 894م وحتى في زمن أبكر أي عام 270 هـ 886م. أرسل حمدان أبا سعيد الجنابي بعد تدريبه إلى البحرين وكلَّفه بالدعوة هناك (ثابت بن سنان ص 12-16؛ ابن الداواداري ص 55-62، 91؛ النويري ص233؛ المقريزي، اتعاظ ج1 ص159). على كل حال، تضيف المصادر أيضاً أنَّ داعياً آخر هو أبو زكريا التمامي الذي أرسله على الأغلب ابن حوشب سبق أبا سعيد إلى المنطقة. وبحلول عام 286هـ 899 حوَّل أبو سعيد قسماً كبيراً من البحرانيين إلى دعوته مما أثار انتباهاً حذراً في البصرة (الطبري ج3 ص 2188؛ 2196-97؛ 2205، 2232، 2291؛ الترجمة ج3 ص 77، 86-89، 98، 128-29، 202؛ المسعودي مروج ج1 ص19). ثم وسع قرامطة البحرين نفوذهم إلى المناطق المجاورة إلى اليمامة وعُمان. بعد عام 260 هـ 873م بقليل عندما كان قادة قرامطة العراق في بداية نشاطهم بعثت قيادة الإسماعيليين المركزية دعاةً إلى العديد من مناطق الغرب الأوسط من إيران وشمالها الغربي؛ ثم توسعت الدعوة إلى خراسان و بلاد ما وراء النهر (نظام الملك ص 282-295، 298-305؛ ستون، 1960).


يمكن استخراج العقيدة التي دعى إليها حمدان قرمط وعبدان مما عزاه لهما النوبختي (فرق الشيعة ص 61-64، والقمي ص83-86 من الترجمة الإنكليزية في سترن 1983 ص 47-53). لم يكن ثمة ما يشير في ذلك الوقت في عقائد قرامطة العراق إلى أي خلاف في أي جانب هام مع العقائد التي تمسك بها بقية الإسماعيليين. في جميع الأحوال فإن النوبختي والقمي وكذلك الكتّاب الخبراء المعاصرين وصفوا وضع الإسماعيليين قبل عام 286 هـ 899م عندما وقع الانشقاق في الجماعة الإسماعيلية، ولم يذكروا أية جماعة إسماعيلية أخرى إلى جانب القرامطة. رواية كتاب الفرق الشيعة الإمامية (الاثني عشرية) أكدتها أخبار نسبت إلى ابن رزام وأخو محسن. فالقرامطة الذين انطلقوا من المباركية يحددون عدد أئمتهم بسبعة بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب حتى محمد بن إسماعيل الذي هو المهدي والأخير والسابع أيضاً. وبالفعل كان الموضوع المركزي في تعاليم القرامطة هو توقع ظهور محمد بن إسماعيل الذي سوف ينهي دور الإسلام ويعلن الحقيقة الباطنية في الأديان السابقة. فالاعتقاد بمهدوية محمد بن إسماعيل تؤكده مصادر إسماعيلية قليلة تخص فترة ما قبل المرحلة الفاطمية (انظر كتاب الرشد والهداية تحقيق محمد كامل حسن في مجموعة رقم 1 تحرير إيفانوف، ص 198؛ وجعفر بن منصور اليمن كتاب الكشف ص 62، 77، 103-104، 190-110، 135، 160، 170).


خلال العقد الأخير من القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي طوّر القرامطة نظرةً دائريةً لتاريخ الأبطال، جاء فيها إن تاريخ البشرية مرّ عبر سبع حقب نبوية، بدأت كل حقبة مع ناطق (رسول) مبشراً وداعياً إلى رسالة موحاة، يتضمن الجانب (الظاهر) فيها شريعة. في الحقب الستة السالفة كان النطقاء هم الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد. وخلف كل ناطق وصي يدعى أيضاً أساس أو "الصامت" الذي يفسِّر ويشرح الحقيقة الباطنية في الرسالة الموحاة ضمن دوره (فترته) وخلف كلِّ وصيٍّ سبعةُ أئمةٍ، حفظوا المعنى الحقيقي للكتب المقدسة والشرائع في جانبيها الظاهر والباطن. وفي كل دور يصعد الإمام السابع إلى مرتبة الناطق للدور المقبل حيث ينسخ الشريعة السابقة ويبدأ شريعة جديدة. وهكذا كان الإمام السابع في الدور المحمدي هو الإمام محمد بن إسماعيل الذي ذهب في غيبة وعند عودته (وظهوره) سوف ينسخ الشريعة ويبدأ الدور العالمي الأخير. ولكنَّ الإمام محمد بن إسماعيل لم يبدأ شريعةً جديدةً، لأنَّ رسالته الإلهية تضمنت الكشف عن الحقائق الباطنية كلها التي أوحيت سابقاً في الرسالات النبوية. وفي هذا الدور الخلاصي لا حاجة إلى شرائع لأن القائم الأخروي محمد بن إسماعيل يحكم ويكمّل العالم. وكان القرامطة قبلاً قد صاغوا كوزولوجيا (علم فلك) عرفانية طُوّرت على الأغلب في نهاية القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي تمثلت هذه الكوزمولوجيا في عبارة "كوني قدراً" وهي توليفة حكائية عرفانية، قائمة على العقيدة الحروفية ولها وظيفة هامة جداً توفر تفسيراً جاهزاً لتركيبة الكون (انظر جعفر بن منصور اليمن سرائر ص24-26، 81-82؛ أبو يعقوب السجستاني، كتاب الافتخار ص43-56؛ أرندوك ص 330-334؛ سترن، العقائد الكونية الإسماعيلية الأبكر 1983 ص 3-29؛ هالم 1978 ص 38-127، 206-227).


انشقاق عام 286 هـ 899 م وثورات القرامطة


في عام 286 هـ 899 م وبعد زمن قصير من استلام عبد الله المهدي الخليفة الفاطمي الأول القيادة المركزية الإسماعيلية لاحظ حمدان قرمط تغيُّراتٍ في التوجيهات العقائدية المرسلة إليه من مركز قيادة الحركة الرئيسي. وبما يتفق مع رواية ابن رزام وأخو محسن (ابن الدواداري ص 65-68؛ النويري 229-32؛ المقريزي اتعاظ ج1 ص 167-68) أرسل حمدان قرمط عبدان إلى سلمية لمعرفة السبب خلف التوجيهات الجديدة. وخلال ذلك الوقت علم حمدان أنه بدلاً من التمسك بمهدوية الإمام محمد بن إسماعيل الذي أديرت الدعوة باسمه ونيابةً عنه، فإنَّ القائد الجديد ادعى الإمامة لنفسه ولأسلافه الذين قادوا الإسماعيليين بعد محمد بن إسماعيل. يبدو أن قادة الإسماعيليين المركزيين قبل إصلاح عبد الله المهدي اتخذوا لأنفسهم رتبة الحجة للإمام الغائب، وكانت العقيدة أنه عبر الحجة يمكن للمؤمنين الاتصال بالمهدي المستور (جعفر بن منصور اليمن، كتاب الكشف ص 97، 102). ويجب أن نضيف هنا، على كل حال، أن جماعة صغيرة من الإسماعيليين الأوائل الذي انبثقوا من المباركية أقرَّت بإمامة هؤلاء القادة المركزيين أنفسهم، ومن الممكن أن تلك الجماعة ذاتها حسب النوبختي ص 61 والقمي ص 83 ساقت الإمامة في ذرية محمد بن إسماعيل. وعلى كل حال يتضمن إصلاح عبد الله المهدي رفض مهدوية محمد بن إسماعيل التي كانت النقطة المركزية في عقيدة الإمامة الأصلية التي اعتنقها غالبية الإسماعيليين الأوائل.


إنَّ دعوة الإمام عبد الله المهدي العلنية لإمامته قسمت الجماعة الإسماعيلية إلى فرعين عام 286 هـ 899م. فرعٌ قبل دعوته التي أصبحت فيما بعد هي العقيدة الرسمية الفاطمية. وحافظ هؤلاء الإسماعيليين على استمرار الإمامة وقبلوا تفسير الإمام عبد الله المهدي بأن الإمامة الإسماعيلية انتقلت ضمن أحفاد جعفر الصادق المباشرين. أما الفرع الآخر وهم الإسماعيليون المنشقون والذين لم يستطيعوا تأمين قيادة موحَّدة رفضوا دعوة الإمام عبد الله المهدي لإمامته، وحافظوا على عقيدتهم الأصلية، وأعادوا تأكيدها بعودة الإمام محمد بن إسماعيل بصفته المهدي. ومنذئذ أصبح اسم القرامطة يُطلق على هذا الفرع الثاني فقط، وتألف هذا الفرع من المجموعات الإسماعيلية المنشقة الموزعة في مناطق مختلفة من العالم المسلم.


يمكن تلخيص الدليل المتفرق المُتاح عن موقف مختلف المجموعات الإسماعيلية ونشاطات القرامطة ضد القيادة المركزية بعد الإصلاح العقائدي للإمام أبي عبد الله كما يلي. سحب قادة القرامطة في العراق الذين قادوا المنشقين ولاءهم للقيادة المركزية فور عودة عبدان من سلمية. وعندها جمع حمدان دعاته وطلب منهم إيقاف الدعوة كلٌّ في منطقته. وبعدها بقليل ذهب حمدان إلى كلواذا وهناك اختفى. وفي الوقت ذاته قُتل عبدان بمؤامرة قادها زكرويه بن مهرويه أحد دعاة عبدان في العراق. وبقي زكرويه وبعض مؤيديه في البداية موالين للقيادة المركزية. وخوفاً من انتقام مؤيدي عبدان توارى زكرويه عن الأنظار لبعض الوقت. وبقي قرامطة العراق في حيرة وعدم استقرار إلى جانب أزمة عقائدية بعد موت حمدان وعبدان. ولم يمض وقت طويل حتى ظهر عيسى بن موسى ابن أخ أو أخت عبدان واستلم قيادتهم، وتابع الدعوة باسم محمد بن إسماعيل. واستمر هؤلاء القرامطة في جنوب العراق مع بعض الدعم من بغداد خلال الربع الأول من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي وما بعده وإلى زمن متأخرٍ. (المسعودي تنبيه ص 391 عريب، صلة ص 137).


ولم يطل الأمر بزكرويه حتى أظهر نواياه بالتمرد عبر تنظيم ثورات قرامطة العراق وسورية (الطبري ج3 ص 2218-26، 2230-32، 2237-46، 2255-66، 2269-75 ومن الترجمة ج28 ص 113-23، 126-29، 134-44، 157-68، 172-79؛ عريب صلة ص 4-6، 918؛ المسعودي تنبيه ص 370-79؛ هالم 1979). في عام 289 هـ 902 م بعث زكرويه أحد أولاده حسين أو حسن المعروف بصاحب الشامة إلى بادية الشام لاستمالة بني كلب. ونجح سريعاً في كسب بعض بطون بني كلب الذين حملوا اسم الفاطميين (وأعتقد أنه الفواطم) وانضم سريعاً إلى صاحب الشامة أخوه يحيى صاحب الناقة. تزعَّم يحيى قيادة بني كلب المنضمين حديثاً إلى القرامطة وادعى أنَّه من ذرية محمد بن إسماعيل. وبنجاح سريع احتل صاحب الناقة بعض المدن الهامة في سورية بما في ذلك سلمية حيث ذبح صاحب الناقة سكانها. ويبدو أنَّ أولاد زكرويه حاولوا إعادة الإمام عبد الله المهدي الذي غادر سلمية خلال عام 289 هـ 902م وفشلا في ذلك. عندها قتل القرامطة جميع أقارب الإمام عبد الله المهدي وأفراد حاشيته الذين بقوا في سلمية. قُتل صاحب الناقة في معركة حربية في تلك السنة واستلم القيادة أخوه صاحب الشامة. وفي عام 291 هـ 903 م استطاع جيش العباسيين إلحاق هزيمة نكراء بالقرامطة قرب سلمية وأُسر صاحب الشامة وأُعدم في بغداد.


عام 293 هـ 906 م أرسل زكرويه داعياً آخر هو أبو غانم نصر لإحياء الحركة القرمطية في قبيلة بني كلب. فهاجموا دمشق ومدناً أخرى مخربين ناهبين أينما حلّوا. وفي العام نفسه انتصرت الحملات العباسية على القرامطة السوريين، وقتل أبو غانم نصر على يد بعض مناصريه مقابل عفو تلقوه من العباسيين. عندئذٍ بعث زكرويه بداع آخر إلى قرامطة سورية ليخبر مناصريه بقرب ظهوره. بعدها انضم بعض رجال قبائل البدو السوريين إلى أتباع زكرويه في منطقة السواد وفاجؤوا الكوفة بهجوم، لكنهم اضطروا للانسحاب منها بسرعة. عندها انسحب مناصروا زكرويه إلى القادسية، حيث هناك وفي شهر ذي الحجة 293 هـ أكتوبر 906 م قابلوا زكرويه الذي ظهر من مخبئه للتوّ. واستطاع القرامطة دحر جيش عباسي ذهب لمطاردتهم، وبدؤوا سلب قوافل حجاج إيران العائدين من مكة، وقتل معظمهم. واستمر أنصار زكرويه في نشاطهم التخريبي حتى عام 294 هـ 907 م حتى هزمهم جيش عباسي وجرح زكرويه أثناء المعركة ثم توفي بعد أيام قليلة في الأسر، وقتل العديد من أنصاره مما أدى إلى نهاية تمرد وثورة قرامطة الهلال الخصيب (الطبري وابن العديم في أخبار القرامطة ص 16-35، 275، 287، ابن الدواداري ص 69-89؛ النويري ص 246-75؛ المقريزي اتعاظ ج1 ص 168). أنكر بعض أنصار زكرويه في السواد موته وانتظروا عودته. في عام 295 هـ 907 م ظهر داع اسمه أبو حاتم زوتي بينهم. حرّم عليهم بعض الخضار وذبح الحيوانات، فدُعي أتباعه "الباقلية" ثم شمل هذا اللقب جميع قرامطة العراق الذين بقوا على عقيدتهم القديمة في مهدوية محمد بن إسماعيل. وعاد أنصار حمدان وعبدان للانضمام إلى الباقلية. عاش هؤلاء القرامطة بعض الوقت تحت قيادة عيسى بن موسى ومسعود بن حريث (عريب، صلة ص 137؛ المسعودي تنبيه ص 391؛ ابن الدواداري ص 90؛ النويري ص 275-76؛ المقريزي اتعاظ ج1 ص 179-80).


اتخذ أبو سعيد الجنابي في البحرين موقفاً مؤيداً لحمدان وعبدان ضد القيادة المركزية، وقتل الداعي أبو زكريا الذي حافظ على ولائه للإمام عبد الله (ابن حوقل ص 295). ثم ادعى أبو سعيد أنه يُمثل المهدي المنتظر، الذي سيظهر عام 300 هـ 912-913 م. أما بالنسبة لأبي سعيد الجنابي فقد أقام سيطرته على البحرين في ذلك العام المليء بالأحداث سنة 286 هـ 899 م وربما زوده الانشقاق -بطبيعة الحال- بفرصة مناسبة ليعلن استقلاله. وفي الواقع نجح في إقامة دولة قرمطية مستقلة في البحرين, وعندما قتل على يد عبدٌ له سنة 301هـ 913- 914 م . ثم خلفه أبناؤه.


أما في اليمن فقد بقيت الجماعة في البداية موالية للإمام عبد الله. وفي عام 291هـ 903 – 904 م بدأ ابن الفضل يظهر علامات التمرد بقرمطية. في عام 299 هـ 911 م وبعد أن استولى على صنعاء تنكر ابن الفضل علناً لولائه للإمام عبد الله, وألغى الشريعة, وادعى أنه هو نفسه المهدي. وفيما بعد سعى ابن الفضل لإكراه ابن حوشب الداعي الأول هناك على التعاون معه لكنه فشل, وبقي ابن حوشب على ولائه. بعد وفاة ابن الفضل عام 303هـ 915 م تشتتت الحركة القرمطية في اليمن سريعاً. أسعد بن أبي يعفور من السلالة اليعفورية والذي أقر بسيادة ابن الفضل عليه ثار على الفأفاء ابن علي بن الفضل وخليفته في عام 304هـ 917 م فتح المذيكرة حيث مركز القرامطة, وقتل الفأفاء وبعض قادة القرامطة الآخرين, وأنهى الحركة القرمطية في اليمن ( ابن مالك ص 21, 28, 35, 39, بهاء الجندي, أخبار القرامطة باليمن, في نص كييKay ص 143 – 150 والترجمة 197- 208). كان للقرامطة مؤيدين أيضاً في إيران وبلاد ما وراء النهر. في منطقة الري حيث كانت مراكز قيادة الدعوة في الجبال, وأصبح الإسماعيليون هناك يُعرفون باسم" الخليفة" نسبة إلى الداعي الأول خلف الحلاج الذي بدأ نشاطه في منطقة شابويه بعد عام 260هـ 873 -874 م بوقت قصير, وجاء بعد خلف ابنه أحمد وبعده آخر الدعاة الرئيسين غياث (نظام الملك ص 283, اليلمي ص 20-21, ابن الدواداري ص 96, المقريزي ج1 ص 186, ابن النديم بتحقيق فلوجل ج1 ص 188, وبتحقيق تجدد ص 239). نجح غياث في كسب مؤيدين عديدين, ووسع الدعوة إلى مدينتي قم وكاشان. ويبدو أنه بعد الانشقاق في الحركة الإسماعيلية اتخذ معظم الفرع الإيراني جانب القرامطة المنشقين, ورفض غياث الإقرار بإمامة عبد الله المهدي وجادل الفقهاء السنّة غياث وحرضوا سكان الري ضده فأجبره أتباعه على الهرب إلى خراسان. وهناك وبينما كان يتنبأ بظهور المهدي في وقت محدد قابل غياث الأمير حسين بن علي المروزي وأدخله في دعوته ومعظم سكان مناطق مرو الرد وطالقان وميمان وغارجستان وغور وحراث الواقعة تحت تأثير الأمير الذي صار هو نفسه داعياً قرمطياً تبنوا الإسماعيلية القرمطية. بعدئذ عاد غياث إلى الري وعين مكانه نائباً عنه هو أبو حاتم الرازي المشهور, وهو من أوائل الدعاة العلماء الاسماعيليين. اختفى غياث في ظروف مجهولة وخلفه أبو جعفر الكبير حفيد الداعي خلف. لكنَّ أبا حاتم الرازي عزل أبا جعفر واحتل مكانه وأصبح القائد الخامس للدعوة في الجبال. كان للفرع الإسماعيلي الموالي لإمامة عبد الله المهدي وخلفائه وجود في خرسان. تروي المصادر أن الدعوة الإسماعيلية نقلت رسمياً إلى تلك المنطقة نحو العقد الأخير من القرن الثالث الهجري 903-913 م على يد الداعي عبد الله القديم الذي أرسله الإمام عبد الله المهدي بعد إعلان الخلافة الفاطمية. بدأ هذا الداعي نشاطه من نيسابور بعد أن كان غياث قد أدخل العقائد القرمطية إلى خراسان بمحض إرادته. وخلف عبد الله القديم عام 307هـ 919 م أبو سعيد الشعراني الذي استطاع تحويل العديد من الرجال العسكريين البارزين في المنطقة إلى عقيدته. وقائد الدعوة الثاني في شمال شرق إيران وجوارها كان حسين بن علي المروزي المذكور سابقاً. وخلال فترة قيادته تم نقل مقر قيادة الدعوة من نيسابور إلى مرو الرد (نظام الملك ص 287, ابن الدواداري ص 95, المقريزي إيقاظ ج1 ص 186, ابن النديم تحقيق فلوجل ج1 ص 188 تجدد ص 239, غارديزي بتحقيق حبيبي ص 148-149, تاريخ سستان ص 290-294-300,302, ترجمة جولد ص 233-244, ميركاند, طهران ج4 ص 40-42).


المرحلة الأخيرة من تاريخ القرامطة


بحلول العقد الأول من القرن الرابع الهجري 912-923 م عندما كان الإمام عبد الله المهدي يقيم سلطته بصفته الخليفة الفاطمي الأول في شمال أفريقية, وكان القرامطة في البحرين والعراق في تدهور, بدأت الحركة القرمطية تستعيد بعض وحدتها الأيديولوجية وتُحقق انتشاراً في إيران وبلاد ما وراء النهر. قام بهذا الدور الهام في هذه العملية كتاب (المحصول) للداعي محمد بن أحمد النسفي داعي خرسان وبلاد ماوراء النهر الذي خلف حسين المروزي, وأدخل النسفي صيغة ما من الأفلوطينية المحدثة إلى الفكر الإسماعيلي ( بات هولد, تركستان, ص 242-245, سترن, 1960, ص 79). ونجح النسفي أيضاً في نشر الإسماعيلية القرمطية في آسية الوسطى. وحوّل العديد من الشخصيات البارزة في البلاط الساماني في بخارى, بما في ذلك نصر الثاني نفسه ووزيره ( نظام الملك ص 288- 289). هذه التطورات لم ترق -كما هو مألوف- للقادة السنيين في الدولة السامانية. ونجح هؤلاء في عزل نصر الثاني, واستلم الحكم مكانه ابنه نوح الأول وبقيادته تعرض اسماعيليو خراسان وما وراء النهر لاضطهاد شديد. وأعدم النسفي ومناصروه الرئيسيون في بخارى عام 332هـ 934 م. ولكن الدعوة القرمطية بقيت حية في خرسان وقادها ابن النسفي مسعود ودعاة آخرون من أبرزهم أبو يعقوب السجستاني (ناصر خسرو, خوان الأخوان تحقيق كسّب ص 112, 115, تحقيق قويني ص 131,135). ويبدو أن كتاب النسفي الذي أكد مهدوية محمد بن اسماعيل حظي بقبول واسع ضمن مجموعات القرامطة المشتتة. كما كانت نشاطات أبي حاتم الرازي هامة بالقدر نفسه في ذلك الوقت, وهو الذي أصبح الداعي الرئيسي في الري خلال الأعوام 300-310هـ 912-923م. فقد وسّع الدعوة إلى منطقة الجبال, وأسل الدعاة إلى أذربيجان وطبرستان وغورجان. لم يقر أبو حاتم بإمامة عبد الله. وراسل قرامطة البحرين, وتوقع مثلهم ظهور المهدي. ومن الواضح أن أبا حاتم اعتبر نفسه" خليفة" الإمام الغائب, واعتبر نفسه رئيس الدعاة اللواحق-كما دعاهم- (كتاب أبي حاتم الإصلاح, غير منشور, حميد الدين الكرماني كتاب الرياض ص 176-212). استطاع أبو حاتم جذب أحمد بن علي الذي حكم الري ما بين 307-311هـ919-924م وكذلك أمراء محليين آخرين, بما في ذلك القائد الديلمي أسفار بن شريوه ومرديج مؤسس السلالة الزيرية (نظام الملك 286-287, البغدادي. الفرق تحقيق بادر ص 267, ابن اسفنديا, ج1 ص 285-295, ترجمة بروان ص209-217 ). وبحسب الداعي الكرماني فإن المناظرة الشهيرة بين أبي حاتم وأبي بكر الرازي الفيلسوف جرت في مجلس مردويج ( الكرماني, الأقوال الذهبة ص 2-3 ). كما جذب أبو حاتم مهدي بن خسرو فيروز المعروف بـشياتسم Siahchasshm وجوستاني حاكم الديلم الذي قتل عام 316هـ 928 م على يد أسفار بن شريوه الذي طمح إلى امتلاك بلاط جوستاني في ألموت ( مادلونغ, 1967). بعد شياتشم احتل المسافرون (اسم علم) موقع الجوستاينيين كما احتلوا أذربيجان أيضاً. وثمَّة قطعة نقد مؤرخة عام 343هـ 954- 955م تشير إلى أن المسافرين واسودان حكم من شاميران في تاروم وأخيه الحاكم القوي مرزبان (توفي 346هـ 957م) الذي اتخذ من أردبيل مقراً له اعتنقا الإسماعيلية القرمطية (انظر سترن, 1960ص 70-74 ) أما وزير مرزيان أبو القاسم علي جعفر كان بالفعل داعياً قرمطياً نشر الدعوة بحرية في مناطق نفوذ المسافرين. (مارجليوس Eclipse ج2 ص 13 ). وابن حوقل (ص 348-354) الذي زار أذربيجان نحو عام 344هـ 955-56م يذكر وجود الإسماعيليين القرامطة هناك في تلك المنطقة.


بينما بقي قرامطة البحرين مسالمين حافظوا على علاقات مع العباسيين خلال حكم أبي القاسم سعيد الولد الأكبر لأبي سعيد الذي خلف والده مباشرة. في ذلك الوقت كان قرامطة البحرين منخرطين في مباحثات سلمية مع وزير العباسيين المشهور علي بن عيسى مما سبب لهذا الوزير عداوة حادة واتهموه بأنه على علاقة بالقرامطة (بوين Bowen ص 50-56، 136-141، 191-195، 205-206، 210-211، 237-249، 261-263، 266-275، 279-280، 357-58). كذلك اتهم الصوفي المشهور حسين بن منصور الحلاج بأنه عميل قرمطي (ماسنيون، 1922 ص 71-80، 730-236). أنهى قرامطة البحرين سياساتهم السلمية عام 311 هـ 923 م. ففي تلك السنة وفور استبدال أبي القاسم سعيد بأخيه الأصغر أبي طاهر سليمان الجنابي بدأ القرامطة سلسلة من الهجمات التخريبية على جنوب العراق وقوافل الحجيج الذاهبة إلى مكة. هذه الهجمات شجعت قرامطة جنوب العراق المرتبطين بعلاقة طيبة مع قرامطة البحرين للبدء بنشاطات عصيان خاصة بهم. في عام 316 هـ 928- 929 م قاد عيسى بن موسى ودعاة آخرون ثورة في الكوفة وواسط. ومثل عيسى بن موسى وقادة قرامطة آخرين كان أبو طاهر يومئنذٍ يتنبأ بظهور المهدي عند اقتران كوكب المشتري مع زحل عام 316 هـ 928 م، هذا الحدث كان يتوقع منه أن ينهي دور الإسلام ويبدأ الدور السابع في حقبة التاريخ الأخيرة.


قادت نشاطات أبي طاهر التخريبيّة إلى هجومه على مكة خلال موسم الحج لعام 317 هـ 930 م. ذبح القرامطة الحجاج وسكان مكة، وحملوا الحجر الأسود من الكعبة إلى عاصمتهم في الإحساء، ظناً منهم، أنَّ ذلك رمز لنهاية حقبة الإسلام. رفض أبو طاهر إعادة الحجر الأسود بناءً على طلب الفاطميين والعباسيين، وفتح عُمان عام 318 هـ 930 م وأصبح سيد شبه الجزيرة العربية وأخاف جميع الحكام القريبين منها. في رمضان 319 هـ أيلول – تشرين الأول 930 م حوّل أبو طاهر الحكم في البحرين إلى شاب من أصفهان الإيرانية، وتوقع منه أن يكون المهدي. اتخذت الأحداث مساراً مختلفاً عما تنبأ به القرامطة بخصوص قدوم المهدي. فبدلاً من أن يكشف حقائق الأديان السابقة، فإن هذا الأصفهاني الذي ادعى أنه من سلالة ملوك الفرس أظهر مشاعر معادية للعرب، وتحول لاستعادة دين إيرانيٍّ قيل أنه المانوية (دين ماني)، فقد أمر بعبادة النار وشتم جميع الأنبياء وأقرّ عدداً من الاحتفالات التي هزّت القرامطة. ومن الواضح أنه كان على صلات مع الزرادشتية التي أعيد إحياؤها، ذلك لأن المبشر الرئيسي للزرادشتيين اسفنديار بن أدرباد اتهم بعد ذلك مباشرة بالتحالف مع أبي طاهر، وأعدم بأوامر الخليفة العباسي الراضي (المسعودي، تنبيه ص 104-105). عندما بدأ المهدي الأصفهاني بإعدام وجهاء قرامطة البحرين قتله أبو طاهر واعترف بأنه كان دجالاً. لم يطل حكمه سوى ثمانية أيام (المسعودي، مروج ج8 ص 285-286، 346، 374، ج9 ص 32، 76-77؛ تنبيه ص 378-387، 389-396؛ عريب. صلة ص 38، 59، 101، 110-111، 113، 118-120، 123-124، 127، 128، 130، 132-133، 136-137، 139، 159، 162-163، 168، 184؛ ابن حوقل ص 295-296؛ البغدادي، فرق، تحقيق بادر ص 270-275، 278-282؛ الديلمي ص 71-96؛ مارجليون وأميدروز Eclipse 1 ص 33-35، 104-105، 109، 120-122، 139-140، 145-146، 147-148، 165، 167-168، 172-183، 184-186، 201، 263، 284، 330، 367-370، 405، 408، ج2 ص 24، 55-57، 60-61، 126-127، 129؛ ابن الدواداري ص 61-62، 91-94؛ المقريزي اتعاظ ج1 ص 164-165، 180-185؛ ابن تفري بردي ج3 ص 182، 197، 207-208، 211-213، 215، 217، 220، 224-226، 228، 232، 245، 260، 264، 278-279، 281، 287، 295، 301-302، 304-305.


الفصل الغامض للمهدي الإيراني المزيف حطّ من معنويات قرامطة البحرين إلى حدّ بعيد وأضعف تأثيرهم على المجموعات القرمطية في الشرق. وغادر العديد من القرامطة في البحرين وانضموا إلى جيوش أمراء معادين لحكام القرامطة خلال العقد الثاني. اهتز دعاة القرامطة القادة وبخاصة لما أظهره الأصفهاني من مشاعر معادية للعرب في ذلك الفصل. قطع عيسى بن موسى ودعاة قرامطة العراق الآخرون علاقاتهم مع أبي طاهر. واستمروا في الدعوة إلى مهدوية محمد بن إسماعيل، بينما وجّهوا طاقاتهم للنشاطات الفكرية، وغالباً ما نسبوا كتاباتهم إلى عبدان لتأكيد الاستمرارية في الحركة (النويري ص 293-296؛ المقريزي اتعاظ ج1 ص 185).


في إيران، تراسل أبو حاتم الرازي مع أبي طاهر وأجبر أبو حاتم على الاختباء من أتباعه. وإن جهد أبي حاتم في كتابه الإصلاح لتصحيح الجوانب المعادية للشريعة في كتاب النسفي "المحصول" ولتأكيد ضرورة الشريعة يمكن فهمه على ضوء الافتراض بأن داعي الري – أبا حاتم – كتب ذلك بعد الأحداث الكارثية في البحرين. دافع خليفة النسفي وتلميذه أبو يعقوب السجستاني الذي لم يكن قد أقرّ بإمامة الفاطميين بعد دافع عن آراء استاذه في كتابه النصرة. كان أبو حاتم والسجستاني والنسفي بالفعل المؤيدين الرئيسيين للمدرسة الإسماعيلية المنشقة في إيران (القرامطة)، وزودا بالروابط العقائدية الإسماعيلية التي كانت سائدة في عهد ما قبل الفاطميين وعقائد العهد الفاطمي. كتاب المحصول وكتاب النصره مفقودان، ولكن ثمة اقتباسات واسعة في كتاب الرياض للكرماني الذي راجع فيه الخلاف من زاوية الرأي الرسمي للدعوة الفاطمية، وبصورة عامة أيد آراء أبي حاتم (انظر إيفانوف، 1955 ص 87 -122؛ كوربان، ص 187؛ سترن، أبو حاتم الرازي والدين الإيراني في سترن، 1983 ص 30-46). وفيما بعد هاجم ناصر خسرو ميول النسفي المعادية للشريعة وكذلك ميول السجستاني (خوان الاخوان ص 112 تحقيق قويني ص 131؛ زاد المسافرين ص 421-422)، الذي مثّل رأي الموقف الفاطمي الرسمي مثله مثل الكرماني.


بعد أن خلع قرامطة البحرين المهدي الإيراني عادوا إلى اعتقاداتهم السابقة، وادعى أبو طاهر أنه يعمل بمقتضى أوامر المهدي المستور. وأعاد الهجوم على جنوب العراق وساحل فارس كما سلب قوافل الحجاج. وفي عام 327 هـ 938-939 م أبرم معاهدة مع العباسيين. ورضي بأن يحمي الحجاج مقابل مبلغ سنوي يدفع له. عندما توفي أبو طاهر عام 332 هـ 944 م ألف قرامطة البحرين مجلس حكم مؤلف من أخوة أبي طاهر الأحياء. وأعاد القرامطة طوعاً الحجر الأسود عام 339 هـ 951 م مقابل مبلغ كبير من المال دفعه العباسيون.


لقد كتب الكثير عن العلاقات بين القرامطة والفاطميين. في العصر الحديث كان م. ج. دي خويه أول المستشرقين الذي استنتج أن أبا طاهر في كل أعماله الهامة كان ينفذ أوامر الخليفة – الإمام الفاطمي عبد الله الذي لم يرد أن يعترف بتحالفه السري مع القرامطة المشتتين. كما تمسك دي خويه برأيه القائل أن قرامطة البحرين حافظوا على تنسيق لصيق مع الفاطميين حتى فتح الفاطميون مصر (دي خويه، 1886 ص 59، 69، 82-83، 185، 190، 193).


وهكذا وبالتتابع أكد الآخرون آراء دي خويه. (انظر ماسنيون، 1927، ص 768-769؛ برنارد لويس، ص 180. الدراسات الأحدث على كل حال لا تقر بوجود علاقات حميمة بين القرامطة والفاطميين خلال النصف الأول من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي. الصعوبة الرئيسية في بحث وتحري هذه القضية تنبع من نقص المعلومات عن عقيدة القرامطة الذين كانوا متحفظين وسريين حول عقائدهم، كما أن تراثهم المكتوب دُمر بالكامل. على كل حال، وعلى ضوء ما هو معروف عن العقيدة المركزية للقرامطة فإن مادلونغ ومعظم المرجعيات الحديثة أكدت الاختلافات المبدئية بين عقائد القرامطة والفاطميين الإسماعيليين (مادلونغ 1959، ص 46، 47، 48). لم يعترف القرامطة في البحرين والأماكن الأخرى الذين تابعوا توقع عودة المهدي المستور بإمامة الخلفاء الفاطميين بصفتهم أئمتهم، كما لم يقروا أن مهديهم المتوقع هو أحد الأئمة الفاطميين. ولهذا السبب مالوا بسرعة إلى الفصل المأساوي مع المهدي الإيراني. على كل حال، بما أن القرامطة والفاطميين اشتركوا في عداء العباسيين السنّة، فقد يبدو أنهم تحالفوا في أوقات محددة. وبالفعل، لا نملك دليلاً بأن قرامطة البحرين كانوا في خدمة الفاطميين الأوائل، برغم أن الطرفين توصلا إلى شكل من استعادة العلاقات السياسية.


العداوة بين قرامطة البحرين والفاطميين انفجرت في حرب مفتوحة عقب فتح الفاطميين مصر عام 358 هـ 969 م واجتياح الفاطميين لسورية في العام التالي. بدأت الجيوش القرمطية بقيادة حسن الأعصم ابن أخ أبي طاهر قبل فتح مصر بوقت قصير غارات على سورية وفلسطين أجبروا خلالها الحكام الأخشيديين على دفع مبالغ سنوية للقرامطة. عام 360 هـ 971 م هزم حسن الأعصم بمساعدة البدو والحمدانيين الجيش الفاطمي واحتل دمشق والرملة وأعلن سيادة العباسيين على هذه المناطق وسبّ وشتم الخليفة – الإمام المعز على المنابر. وسريعاً ما وصل حسن الأعصم حتى أبواب القاهرة، ولكنه أُجبر على التراجع إلى الإحساء في ربيع الأول 361 هـ كانون الأول 971 م، على الأغلب بسبب مشاكل داخلية في البحرين. وقد تبادل الإمام – الخليفة المعز والحسن الأعصم رسائل تهديدية عقب نقل الفاطميين عاصمتهم إلى القاهرة في رمضان 432 هـ حزيران 973م (انظر المقريزي اتعاظ ج1 ص 189-202؛ النويري، ص 307-310؛ ابن الدواداري ص149-156؛ مادلونغ، ص 68-69، 85). في عام 363 هـ 974 م هاجم حسن الأعصم مصر مرة ثانية وحاصر القاهرة ولكن الفاطميين هزموه فعاد إلى البحرين. فيما بعد فتح الفاطميون دمشق ووقع الإمام – الخليفة المعز معاهدة سلام مع القرامطة الذين استلموا مبلغاً من المال يعادل ما كان الأخشيديون يدفعونه لهم. (ابن القلانسي ص 1-11؛ النويري ص 304؛ المقريزي المقفى، في أخبار القرامطة ص 402).


خلال فترة حكم الإمام – الخليفة العزيز ابن المعز أنهى القرامطة معاهدة السلام مع الفاطميين وقاموا بنشاطات تمردية في سورية حتى هزمهم عام 368 هـ 978م جيش فاطمي ضخم قاده الإمام – الخليفة العزيز بنفسه. عام 375 هـ 985 م ألحق البويهيون هزيمتين ثقيلتين بقرامطة البحرين الذين حاولوا استعادة سيطرتهم على جنوب العراق، وفي عام 378 هـ 988 م عانى القرامطة إذلالاً على يد أسفار رئيس بني المنتفق من العقيليين الذي حاصر الإحساء وسلب قطيف. وبذلك خسر القرامطة ما كانوا يأخذونه من قوافل الحجيج لصالح أسفار وبعض زعماء القبائل في تلك المنطقة. عام 382 هـ 992 م أعاد قرامطة البحرين تحالفهم السياسي الإسمي مع الإمام – الخليفة العزيز الفاطمي بدون أية عودة إلى علاقات عقائدية. في فترة حكم الخليفة – الإمام الحاكم (386-411 هـ 996-1021 م) كانت العلاقات بين الفاطميين والقرامطة عدائية واضحة، -رغم أن القليل من التفاصيل متاح-. مع نهاية القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي انخفضت قوة قرامطة البحرين إلى مجرد ثورة محلية ولم نعد نعرف عن تاريخهم التالي إلا القليل جداً وكذلك عمّا يخص علاقاتهم مع الفاطميين. وأثناء ذلك الوقت مال كثير من المجموعات القرمطية في جنوب العراق وإيران وأماكن أخرى الذي استمروا يتوقعون عودة محمد بن إسماعيل إلى الدعوة الفاطمية أو تفرقوا (يحي بن سعيد الانطاكي ص 389؛ ابن القلانسي ص 16؛ ابن الدواداري ص 175-177، 179؛ النويري ص 314-317؛ المقريزي اتعاظ ج1 ص 238-242، 244، 250، 270؛ ابن تعزي بردي ج4 ص 125، 128، 145).


العقبات التي أدت إلى سقوط دول قرامطة البحرين بدأت في جزيرة واسعة هي جزيرة أوال (تدعى اليوم البحرين) نحو عام 450 هـ 1085 م حيث بدأ بعض رجال القبائل بالتمرد على حكام جزيرة القرامطة. أخذت أوال من يد القرامطة نحو عام 459 هـ 1067 م وبشكل نهائي، عندما هزم المتمردون المحليون الأسطول القرمطي، وبعد وقت قصير استولى ثائر آخر على قطيف. والأهم من ذلك أن عبد الله بن علي عويني شيخ عشيرة مرّة بن عامة من عبد قيس القوي ثار عليهم عام 462 هـ 1069 – 1070 م وهزم القرامطة ثم حاصر الإحساء لسبع سنوات. ساعده في ذلك العباسيون والسلاجقة فاحتل الإحساء عام 469 هـ 1067 م. عام 470 هـ 1077 – 1078 م أنهى عبد الله دولة القرامطة في البحرين وأقام سلالة العونيين في حكم شرق شبه الجزيرة العربية. اعترف عبد الله بسيادة الإمام – الخليفة الفاطمي المستنصر الذي وضع العونيين تحت رعاية الصليحيين الإسماعيليين الذين كانوا يحكمون اليمن بصفتهم أتباعاً للفاطميين (انظر أبو تميم معدّ المستنصر بالله، السجلات المستنصرية، تحقيق عبد المنعم ماجد، القاهرة، 1945 ص 179).


فيما يخص العقيدة المركزية، وعد التعليم الديني القرمطي بحكم العدالة والمساواة بقيادة المهدي المتوقع الذي انتظر القرامطة عودته. وبناءً على هذا الأساس الديني أقام القرامطة دولة في شرقي شبه الجزيرة العربية، ومن هناك قادوا حركة ثورية خلاصية بميول قوية معادية للشريعة. ولحوالي القرنين هزّت هذه الحركة العالم المسلم، وبخاصة بعد أعمال أبي طاهر الانتهاكية في مكة، بينما أرعب نظام قرامطة البحرين جنوب العراق، وسلب قوافل الحجيج، وأرهب العديد من السلالات الحاكمة المحليّة، وفي وقت فيه اقترب من حصار بغداد وإنهاء الخلافة العباسيّة. ونتيجة لذلك حصل فإنّ مجموعة قرامطة البحرين صار يُنظر إليها من طرف الكتّاب السنة في العصور الوسطى بصفتها المجموعة الأكثر زندقة وتريد تخريب الإسلام من داخله، وعلى مصادر هؤلاء الكتّاب تعتمد معظم معلوماتنا بخصوص الفرق. على كل حال، مُدح قرامطة البحرين لتنظيماتهم السياسية والاجتماعية حيث كان لديهم مظاهر فريدة بين الدول المسلمة في ذلك الوقت. لم تتضمن الدعوة التي نشرها أبو سعيد الجنابي وحلفاؤه أية برامج اجتماعية محددة، وبعض التجارب المبكرة حول الملكية المشتركة كانت قصيرة الأجل كما هو واضح؛ لكن المشاعية ومبادئ المساواة قامت بدور هام في تنظيمات دولة قرامطة البحرين. أثار اهتمام الدولة برفاه المجتمع وما نتج عن ذلك من نظام اجتماعي في البحرين أثار بالفعل إعجاب المراقبين من غير القرامطة ممن زاروا شرق شبه الجزيرة العربية قبل سقوط الدولة القرمطية. وبشكل خاصٍّ ما ورد إلينا من رواية ابن حوقل الذي زار البحرين في الجزء الأخير من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي، وناصر خسرو الذي أمضى تسعة أشهر في الإحساء عام 443 هـ 1051م.


ولإدارة شؤون الجماعة تشاور أبو سعيد بخصوص القرارات الرئيسة مع مجلس معروف باسم "مجلس العقدانية" مؤلف من قادة الدولة الرسميين وممثلين عن العائلات النافذة في البحرين. كان أهم أعضاء هذا المجلس الحاكم الحسن بن سنبر كبير عائلة بارزة في قطيف وحمو والد زوجة أبو سعيد نفسه. وبناءً على تعليمات أبي سعيد فقد خلفه في القيادة ابنه الأكبر سعيد ثم ابنه الأصغر أبي طاهر. وحكم الأخير بمساعدة العقدانية ومجلس من سبعة وزراء بمن فيهم سنبر بن حسن بن سنبر. وبعد أبي طاهر أدير الحكم بشكل جماعي من طرف أخوته الأحياء وحملوا لقب "السادة الرؤوساء". واستبعد أبناء أبي طاهر عن الحكم برغم أنهم تمتعوا بكثير من الاحترام في المجتمع. ومحاولة سابور الابن الأكبر لأبي طاهر لاستلام الحكم سنة 358 هـ 969 م انتهت إلى أسره وإعدامه. يشير نقش على نقد أنه على الأقل بعد موت سعيد عام 361 هـ 972 م سُمح لأحفاد أبي سعيد بالانضمام إلى السادة الرؤوساء واتخذوا مكانهم في مجلس الحكم (Scahlon). في عام 366 هـ 977 م وعند وفاة أبي يعقوب يوسف آخر أبناء أبي سعيد نجح سبعة من أحفاد أبي سعيد في الوصول إلى السلطة.


عند زيارة ناصر خسرو للبحرين كان قرامطة البحرين ما يزالون يسمّون "الأبوسعيديون" نسبة إلى قائدهم الأول، وكان مجلس الحكم يضم ستة من ذرية أبي سعيد من عائلة الجنابيين وستة وزراء من آل سنبر يقال لهم "السنابرة" وأكثر من ذلك، كان من السهل على أبناء المجتمع الاتصال بمجلس الحكم. يروي ناصر خسر أنه منذ أيام أبي سعيد أُلغيت الصلاة والصيام والشعائر الإسلامية الأخرى ضمن الجماعة القرمطية. وأغلقت جميع المساجد، وبرغم ذلك سمح لإيراني غني ببناء مسجد يستخدمه الحجاج المارين بالإحساء. ومع ذلك كان قرامطة البحرين يعتبرون أنفسهم يعيشون في حقبة النبي محمد والإسلام، وابتعدوا عن شرب الخمر. كما يروي ناصر خسرو أن القرامطة كانوا ينتظرون عودة أبي سعيد بعد موته، كما وعدهم بنفسه. ليس من الواضح – على كل حال – إن كان أبو سعيد، في الحقيقة، حل محل محمد بن إسماعيل بصفته المهدي المنتظر عند قرامطة البحرين (انظر de Blais).


ثمة العديد من التفاصيل الممتعة رويت عن النظام الاجتماعي الذي أقامه قرامطة البحرين. ففي زمن ابن حوقل خصصت الموارد من بيع القمح وفواكه مزارع الدولة للقرامطة المؤمنين، أما عائدات وضرائب المكوس وأجور عبور جميع السفن المارة في الخليج الفارسي وجزيرة أوال فوزعت على أبناء أبي سعيد. وجميع الموارد الأخرى من ضرائب ومساهمات وأموال الحماية التي تدفعها قوافل الحجيج وغنائم الحرب فقد خصصها مجلس الحكم لمجموعات مختلفة على أساس نصيب محدد بعد عزل خمسها للمهدي (صاحب الزمان؛ ابن حوقل ص 25). أما في زمن ناصر خسرو فقد اشترت الدولة 30.000 عبداً استخدموا في زراعة الأرض في البحرين. ولم يدفع سكان الإحساء أية زكاة أو ضرائب، وكان كل فقير يستطيع الحصول على قرض من الدولة إلى الأمد الذي يحتاجه. وبالمثل كان كل حرفي يصل إلى الإحساء يُمنح قرضاً لإقامة ما تحتاجه حرفته. وكانت هذه القروض معفاة من الفوائد. وكانت الحكومة تقوم بإصلاح الممتلكات الخاصة والطواحين، وكانت طواحين الدولة تطحن القمح بلا مقابل. وكل ذلك يشهد على الازدهار الاقتصادي لدولة القرامطة التي خصصت أموالاً كثيرة للمحاربين والغارات الحربية العديدة والمغامرات العسكرية في مناطق بعيدة.



Bibliography:


The anti-Ismaili treatise of Ibn Rizam has been lost but was used extensively by the sharifinfo-icon Abu’l Husayn Muhammad b. ‘Ali, known as Aku Muhsin, in another anti-Ismaili book, itself lost, though substantial portions of value for the early history of the Carmatian movement have been pre­served in Ibn al-Dawadari, bk. VI; Nuwayri, bk. XXV; and Maqrizi, Ittiaz, bk. I (see below). The Akhbar al-Qaramita contains extracts from Thabit b. Sinan’s Ta‘rikh akhbar al-Qaramita, Ibn al-‘Adim’s Boghyat al-talab, Maqrizi’s al-Muqaffa, and others.



Primary sources:



Abu Ya‘qub Sijistani, Ithbat al-­nubuwat, ed. ‘A. Tamir, Beirut, 1966.


— — Kitab al-iftikhar, ed. M. Ghalib, Damascus, 1980.


Akhbar al­-Qaramita, ed. S. Zakkar, 2nd ed., Beirut, 1982.


Yahya b. Sa‘id Antaki, ed. and tr. I. Kratchkovsky and V. Vasiliev, Histoire, in Patrologia Orientalis, 23, 1932.


‘Arib b. Sa‘d Qortobi, Silat ta’rikh al-Tabari, ed. M. J. de Goeje, Leiden, 1897.


Muhammad b. Hasan Daylami, Bayan madhab al-Batiniya, ed. R. Strothmann, Istan­bul, 1939.


Ibn al-Dawadari, Kanz al-dorar VI, ed. S. Munajjid, Cairo, 1961, pp. 6ff., 17-21, 44-156.


Ibn Malik (Muhammad b. Malik Yemeni), Kashf asrar al-Batiniya wa akhbar al-Qaramita, ed. M. Z.


Kaw­thari, Cairo, 1939 (also in Akhbar al-Qaramita, pp. 201­-51).


Ibn al-Nadim, Fehrest, ed. Flugel, I, pp. 186-90; ed. Tajaddod, 2nd ed., pp. 238-41.


Ibn al-Qalanesi, Dayl Ta’rikh Demashq, ed. H. F. Amedroz, Leiden, 1908.


Idris ‘Imad al-Dininfo-icon, ‘Uyuninfo-icon al-akhbar IV, ed. M. Ghalib, Beirut, 1973.


‘Abd al-Jabbar Hamadani, Tathbit dala’il al-nubuwa, ed. ‘A. Uthman, Beirut, 1966, pp. 129-30, 342, 378-81, 386-99, 594-614.


Ja‘far b. Mansur Yemen, Kitab al-kashf, ed. R. Strothmann, London, etc., 1952.


— — Sara’er wa asrar al-notaqa’, ed. M. Ghalib, Beirut, 1984.


Hamid al-Din Kirmani, al-Aqwal al-dhahabiyya, ed. S. Sawi, Tehran, 1356 Sh./1977.


— — Kitab al-riyad, ed. ‘A. Tamer, Beirut, 1960.


Ahmad b. ‘Ali Maqrizi, Itte‘az al-hunafa’ I, ed., J. Shayyal, Cairo, 1967, pp. 22-29, 151-202.


Nasir Khusraw, Khan al-ikhwan, ed. Y. Kashshab, Cairo, 1359/1940; ed. ‘A. Qawim, Tehran, 1338 Sh./1959.


— — Safar-nama, ed. M. Dabirsiaqi, 5th ed., Teh­ran, 1356 Sh./1977, pp. 147-52; tr. W. M. Thackston, Jr. Nasir Khusraw’s Book of Travels, Albany, N. Y., 1986, pp. 86-90.


— — Zad al-musafirin, ed. M. Badl al-Rahman, Berlin, 1341/1923.


Nizam al-Mulk, Siar al-muluk, ed. H. Darke, 2nd ed., Tehran, 1347 Sh./1968.


Ahmad b. Ibrahim Nishaburi, Estitar al-imaminfo-icon, ed. W. Ivanow, in Bulletin of the Faculty of Arts. University of Egypt 4, 1936, pp. 93­-107 (also in Akhbar al-Qaramita, pp. 111-32).


Nu‘man b. Muhammad, Iftetah al-da‘wainfo-icon, ed. W. Qadiinfo-icon, Beirut, 1970.


— — al-Risala al-mudheba, in ‘A. Tamer, ed., Khams rasa’il ismailiya, Salamiyyainfo-icon, 1956, pp. 27-87.


Ahmad b. ‘Abd al-Wahhab Nuwayri, Nehayat al-­arab XXV, ed. M. J. ‘A. al-Hini et al., Cairo, 1984, pp. 187-317; partial Fr. tr. in S. de Sacy, Exposé de la religion des Druzes, Paris, 1838, I,


introd., pp. 74-238, 438ff.


Sa‘d b. ‘Abd-Allah Qummi, Kitab al­-maqalat wa‘l-firaq, ed. M. J. Maskur, Tehran, 1963.


Studies:



C. van Arendonk, tr. J. Ryckmans, Les débuts de l’Imamatinfo-icon Zaidite au Yemen, Leiden, 1960.


F. de Blois, “The Abu Sa‘idis or So-Called Qarma­tians of Bahrayn,” Proceedings of the 19th Seminar of Arabian Studies 16, 1986, pp. 13-21.


H. Bowen, The Life and times of ‘Ali Ibn ‘Isa, Cambridge, 1928.



H. Corbin, Cyclical Time and Ismaili Gnosis, London, 1983.


F. Daftary, The Ismailis. Their History and Doctrines, Cambridge, 1989.


M. J. de Goeje, Memoire sur les Carmathes du Bahrain et les Fati­mides, 2nd ed., Leiden, 1886 (still valuable for the history of the Carmatian state in Bahrain).


— —“La fin de l’empire des Carmathes du Bahrain”, JA, 9th ser., Sh, 1895, pp. 5-30.


S. Guyard, ed., “Fragments relatifs à la doctrine des Ismaélis,” Notices et extraits des manuscrits 22, 1874, pp. 177-428.



H. Halm, Kosmologie and Heilslehre der fruhen Ismailiya, Wiesbaden, 1978. “Die Sohne Zikrawaihs and das erste fatimidische Kalifat (290/903),” Die Welt des Orients 10, 1979, pp. 30-53.


— — “Die Sirat Ibn Haushab. Die Ismailitische da‘wa in Jemen and die Fatimiden”, Die Welt des Orients 12, 1981, pp. 108-­35.


A. Hamdani and F. de Blois, “A Re-Examination of al-Mahdiinfo-icon’s Letter to the Yemenites on the Gene­alogy of the Fatimid Caliphs,” JRAS, 1983, pp. 173­-207.


H. F. Hamdani, On the Genealogy of Fatimid Caliphs, Cairo, 1958.


H. E. Hasan and T. A. Sharaf, ‘Ubayd-Allah al-Mahdi, Cairo, 1947.


— —al-Mu‘iz le-Dininfo-icon-Allah, 2nd ed., Cairo, 1963.


W. Ivanow. “Ismai­lis and Qarmatians,” JBBRAS, N.S. 16, 1940, pp. 43-85.


— —Ismaili Tradition Concerning the Rise of the Fatimidsinfo-icon, London, etc., 1942.


— —The Al­leged Founder of Ismailism, Bombay, 1946.


— —ed., Collectanea T, Leiden, 1948.


— —Studies in Early Persian Ismailism, 2nd ed., Bombay, 1955.


H. C. Kay, Yaman. Its Early Mediaeval History, London, 1892.


B. Lewis, The Origins of Ismailism, Cambridge, 1940.



W. Madelung, “Fatimiden und Bahrainqar­maten,” Der Islam 34, 1959, pp. 34-88 (the best modern survey of the sources on the Carmatian Fatimid relations).


— —“Das Imamat in der frühen ismailitischen Lehre,” Der Islam 37, 1961, pp. 43-135.


— —“Abu Ishaq al-Sabi on the Alidsinfo-icon of Tabaristan and Gilan,” JNES 26, 1967, pp. 52-57.


— —“Kar­mati,” in EI2 IV, 1978, pp. 660-65.


— —“Abu Sa‘id Jannabi,” in EIr. I/4, 1983, pp. 380-81.


— — Reli­gious Trends in Early Islamic Iran, Albany, N.Y., 1988, pp. 93-102.


L. Massignon, La passion d’al­-Hosayn Ibn Mansour al-Hallaj, martyr mystique de l’Islam, Paris, 1922.


— —“Karmatians,” in EI1 II, 1927, pp. 767-72.


G. T. Scanlon, “Leadership in the Qarmatian State,” Bulletin de l’Institut français d’archéologie orientale du Caire 59, 1960, pp. 29-48.


S. M. Stern, “Heterodox Ismailism at the Time of al­-Mu‘izz,” BSOAS 17, 1955, pp. 10-33.


— —, “The Early Ismaili Missionaries in North-West Persia and in Khurasaninfo-icon and Transoxaniainfo-icon,” BSOAS 23, 1960, pp. 56-90.


— — “Ismailis and Qarmatians,” in L’élaboration de l’Islam, Paris, 1961, pp. 99-108.


— —Studies in Early Ismailism, Jerusalem and Leiden, 1983 (esp. “The Book of the Highest Initiation and Other Anti-Ismaili Travesties,” pp. 56­-83).


T. al-Waliinfo-icon, al-Qarameta, Beirut, 1981.


Zahed ‘Ali, Hamare Isma‘ili madhhabinfo-icon ki haqiqat awr us ka nizam, Hyderabad, 1373/1954.