Speech

خطاب خلال حفل وضع حجر الأساس للمركز الإسماعيلي في دبي

صاحب السمو الآغاخان


دبي


١٣، كانونالأول، ٢٠٠٣





بسم الله الرحمن الرحيم


سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم


أصحاب السعادة،


الضيوف الكرام،


السيدات والسادة،


إنّ حضوركم في هذا الصباح هو شرف عظيم لي.


هل لي في المستهل أن أعبر عن امتناني العميق لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على اللطف وحفاوة الإستقبال التي قدمها لي منذ وصولي إلى دبي. إننا نفهم تماماً بأن هناك ظروفاً حالت دون مشاركته معنا في هذا الصباح. ولكني مسرور لأن سمو الشيخ أحمد معنا في هذه المناسبة وإنها لسعادة لي أن أستطيع مقابلة الشيخ أحمد بعد حوالي عشرين عاماً من زيارتي الأولى لدبي.


يشكل حفل اليوم حدثاً أعتقد أنه ذو أهمية للمشهد العام المعاصر لهذه المنطقة كما هو تاريخي بالنسبة للجماعة الإسماعيلية حول العالم. في وقت يبقى فيه البحث عن الفهم المشترك أساسياً لضمان السلام والإستقرار، فإن خلق مساحات تمكن ذلك البحث يصبح أكثر إلزاماً من السابق.


تم تصوّر المركز الإسماعيلي في دبي، وسيتم إنشاؤه، لهذا الهدف بالذات، إضافةً لأهداف أخرى. ولذلك فإنه لمن دواعي سعادتي أن أكون اليوم حاضراً شخصياً هنا حيث يتم وضع حجر الأساس على الموقع الذي منحه بكل كرم سمو ولي العهد.


وبالنيابة عن الجماعة الإسماعيلية عالمياً وعن نفسي كإمام لهم، أتقدم بجزيل الشكر لسموه على هذه المبادرة النبيلة التي تلخص مواقفاً وقيماً حَددت، وعلى مدى ما يقرب من ألفٍ وخمسمئة عامٍ، الأفاق والميول الكريمة لأمة، متعددة عبر التاريخ، ومع ذلك مرتبطة بأخلاقيات دين مشترك.


دعوني أغتنم الفرصة لأثني على تجربة الإمارات التي، كالدّرس من تاريخ الإسلام، تبين بأسلوب مثير للإعجاب الآفاق التي يمكن إحرازها، من خلال إدراك الإمكانات الإنسانية، عندما ترتكز المصلحة الوطنية والهوية المسلمة على قيم- قيمنا التاريخية- التي توسع الآفاق الفكرية وتساعد على بناء جسور الصداقة والفهم.


تثبت تجربتكم أن صياغة حكيمة لسياسات مبنية على أنظمة القيم الموروثة هذه والتي تنعكس بحكمة وإبداع في المستقبل هي أصلح أساس لبناء مجتمع مدني ديناميكي حديث يمكنه تسخير الطاقات الخلاقة للمواطنة الشاملة في نفع الصالح العام للجميع.


إن تحويل دبي التي كانت يوماً ميناءاً تجارياً صغيراً إلى عاصمة حيوية قد وازى بين نموها السكاني وتطورها العالمي. فإختلاط الثقافات النشط في هذه المدينة المزدهرة هو إحدى نقاط القوة التي بنت عليها دبي شهرتها كنقطة للتقارب العالمي.


وإن مفهوم التقارب هذا تحديداً هو ما ميز مساعي الجماعة الإسماعيلية الناجحة في مساهمتها عبر الإطار المؤسساتي تجاه معالجة التحديات التنموية الحرجة في المرحلة الراهنة. سيوفر المركز مرافقاً لتطوير البرامج الثقافية والتعليمية والإجتماعية من منظور واسع غير طائفي ضمن إطار أخلاقيات الإسلام. سيكون مركز التعلم المبكر من بينها حيث ستعتمد خدمات الآغاخان للتعليم، وهي مؤسسة خيرية، على خبراتها الواسعة في أجزاء عديدة من العالم لتقديم تعليم مبكر للأطفال، واسع وشامل، بناءً على أسس علمانية وغير طائفية وبأعلى الدرجات العالمية من التميز. والهدف هو الحصول على منهاج مثبت الجودة، يدرس من قبل معلمين أَكْفَاء، ليساعد على وضع أسس قوية لإستمرار النمو التعليمي للطفل.


تنشط شبكة الآغاخان للتنمية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج في قضايا التنمية المدنية والصيانة والترميم والتعليم والصحة والتعليم العالي والثقافة والتنمية الريفية. سيسهم المركز الإسماعيلي المستقبلي في دبي كمورد داعم لهذه الأنشطة. لقد اغتنم المعماري رامي الدهان التحدي بتصميمه المركز بشكل يمكّن هذه التفاعلات ويحافظ ويحيي التقاليد المعمارية والروحانية.


ربما من المناسب في هذه المرحلة تحديد إحدى وظائف المركز الإسماعيلي ضمن تراث السعي الديني في الإسلام. لقد كانت مساحات التجمع المتنوعة المتواجدة بشكل متناغم ضمن ’المسجد‘ من السمات البارزة للمنظر الديني المسلم على مدى قرون عدة، ولقد استوعب المسجد نفسه مجالاً من المساحات المؤسساتية المتعددة لأغراض تعليمية وإجتماعية وتأملية. وتاريخياً، فقد خدمت هذه المساحات مجتمعات تتبع تفسيرات وإنتماءات روحية مختلفة وحافظت على تسمياتها وسماتها مثل ’الرباط‘ و’الزاوية‘ و’الخناقاه‘ و’جماعة خانه‘. إن مساحة التجمع الموجودة في المركز الإسماعيلي تنتمي للفئة التاريخية لجماعة خانه، وهي فئة مؤسساتية تخدم أيضاً عدداً من الجماعات السنية والشيعية الشقيقة في سياقاتهم الخاصة في أجزاء عديدة من العالم. وهنا ستكون مكاناً مخصصاً للشعائر والتقاليد الخاصة بالطريقة الشيعية الإسماعيلية في الإسلام.


وفي تقليد مساحات التجمع المسلم، سيمثل المركز الإسماعيلي رمزاً للتلاقي بين الإسلام الروحي والعلماني. لقد استمد المعماري الدهان الإلهام من المساجد الفاطمية في القاهرة. سيعكس تصميم المركز، مِثل وظيفته، مفهومنا عن الحياة اليومية التي ينسج إيقاعها الجسد مع النفس، والإنسان مع الطبيعة في وحدة متماسكة. وبناء على أخلاقيات أي شيء نقوم به أو نراه أو نسمعه، ونوعية تفاعلاتنا الإجتماعية التي يتردد صداها في إيماننا وحياتنا الروحية، فإن المركز سيسعى، إن شاء الله، لخلق إحساس بالتوازن والإستقرار والطمأنينة. وسيجد هذا الإحساس بالتوازن والصفاء إمتداداً له في ثروة الألوان والعبير في الحديقة الإسلامية المجاورة والتي تساعد أمانة الآغاخان للثقافة بتطويرها كحديقة عامة.


تحدثت قبل قليل عن سياسات الإمارات التي تمكن العناصر المختلفة في مجتمعها على التعاطف في مواطنة متحدة على العمل من أجل الصالح العام للجميع. وسيعمل المركز الإسماعيلي في دبي على تطوير وتسهيل، وبالطبع تشجيع التبادل والفهم المشترك، وهي مقومات ذات أهمية بالغة لنمو البلد المستدام. سيقدم المركز مرافق من أجل محاضرات وعروض وندوات ومؤتمرات مرتبطة بمجال نشاطات شبكة الآغاخان للتنمية في المساعي الإجتماعية والإقتصادية والثقافية. وسيستقبل أيضاً حفلات ومعارض ستخدم في تثقيف طيف أوسع من الناس عن تراث الإسلام الغني.


إن هذا بالتأكيد لهدف أساسي للمراكز الإسماعيلية الرئيسية التي قد تم إنشاؤها في لندن وفانكوفر ولشبونه وللمراكز الأخرى التي هي قيد الإنشاء في تورنتو ودوشانبيه. وانسجاماً مع هذا الهدف، فإنه وفي تشرين الأول من هذا العام، إستضاف المركز الإسماعيلي في لندن ندوة عن القرآن الكريم حضرها أكثر من ٢٥٠ مفكراً من أنحاء العالم، من مسلمين وأتباع العقائد الأخرى. لقد جلبوا طيفاً مذهلاً من الفروع الأكاديمية للمعرفة لتساعد في دراسة وفهم كيف استطاع الوحي في الإسلام، مع تحديه لفطرة الإنسان في البحث والتفكير، أن يصبح محفزاً قوياً لتفتّح جديد لليقظة والحضارة الإنسانية.


آمل، إنشاء الله، بأن يستضيف المركز الإسماعيلي المستقبلي في دبي برامج مشابهة. سيعكس المركز كالمراكز السابقة، من خلال تصميمه ووظائفه جواً من التواضع، والنظرة التقدمية، والصداقة والحوار. وفوق كل شيء، فقد أُنجز هذا المركز وفقاً لأخلاقيات إحترام كرامة الإنسان. وبذلك فسيهدف إلى التعاطف مع آفاقنا الفكرية والثقافية والأخلاقية وتطويرها.


إنها صلاتي المتواضعة بأن يغدو المركز الإسماعيلي في دبي، عندما يتم بناؤه، مكاناً للتأمل والبحث عن التنوير، حيث يجتمع الناس مع بعضهم للتشارك بالمعرفة والحكمة. سيكون مكاناً للسلام والنظام والأمل والأخوة، ينشر هذه الأفكار والسلوكيات والمشاعر التي توحد، والتي لا تفرق، والتي تنهض بالعقل والروح.


شكراً لكم.